بقلم : أحمد رشدي
يولد الإنسان بطبيعته صادقًا مع ذاته، ثم يتعلّم مع الوقت فنّ التكيّف. لا بوصفه مهارة للبقاء فقط، بل كوسيلة لتفادي الصدام، وتخفيف الخسائر، ومجاراة إيقاع الحياة.
غير أن هذا التكيّف، حين يطول أمده ويتجاوز حدوده، يتحول إلى تعب خفي لا يُرى،
لكنه يُنهك الروح ببطء.
نُجامل الحياة أكثر مما ينبغي. نبتسم ونحن مرهقون، نوافق ونحن غير مقتنعين، نصمت ونحن نختنق بالكلام، ونؤدي أدوارًا لا تشبهنا كي لا نُزعج أحدًا أو نُربك المشهد.
ومع كل مجاملة زائدة، نتنازل عن جزء صغير من صدقنا الداخلي، حتى نجد أنفسنا في نهاية الطريق غرباء عن ذواتنا.
كم مرة أجبرت نفسك على الابتسام مجاملةً لكلمة ثقيلة أو مزحة سيئة؟ وكم مرة أمسكت نفسك عن الرد على إهانة عابرة أو تنمّر صريح، ليس لأنك راضٍ، بل لأنك فضّلت السلامة المؤقتة؟ وكم استهلكت من طاقة لتسيطر على مشاعرك، حتى لا تنفجر في وجه من لا يستحق، من السخفاء أو المستفزين؟
وكم حاولت التكيّف مع اختراق خصوصيتك،
أو أسئلة لا حق لأحد فيها؟ وكم جلست في بيئة لا تشبهك، أو شاركت في حوار لا يعنيك، أو حضرت اجتماعًا لا يعجبك أسلوبه، فقط لأن الانسحاب بدا أصعب من الاحتمال؟ هذه التفاصيل الصغيرة، حين تتكرر، لا تمر دون أثر، بل تُراكم إرهاقًا داخليًا لا يلتفت إليه أحد.
علم النفس يصف هذا النوع من الإرهاق بأنه استنزاف نفسي ، حين يعيش الإنسان بصورة لا تعكس ما يشعر به حقًا.
هذا التناقض المستمر بين الداخل والخارج لا يمر دون ثمن؛ قلق غير مبرر، توتر دائم، فقدان الشغف، وإحساس غامض بالإجهاد رغم غياب أسباب واضحة.
في الأسرة، نتكيّف أحيانًا على حساب أنفسنا. نتحمل سلوكيات مؤذية، ونبرر التجاهل، ونخشى المواجهة باسم الاستقرار.
وفي العمل، نؤدي ما يُطلب منا دون اقتناع، نساير قرارات لا نؤمن بها، ونصمت عن تجاوزات صغيرة حتى تتحول إلى ثقافة عامة. أما في المجتمع، فنرتدي أقنعة القبول، ونخفي اختلافنا خوفًا من الرفض أو العزلة.
ومع الوقت، يصبح التكيّف عادة لا خيارًا، ويغدو الإنسان خبيرًا في مجاملة الحياة، لكنه بعيد عن ذاته. لا يشعر بالراحة، ولا يملك الشجاعة للتغيير، فيعيش حالة من الإنهاك الصامت الذي لا يُلاحظ، لكنه ينعكس على صحته النفسية والجسدية.

