بقلم : أحمد رشدي
في تفاصيل الحياة الصغيرة، يتعرض الإنسان لأذى يومي لا يُكتب في سجل الجرائم، ولا يُلفت انتباه القوانين، لكنه يترك أثرًا عميقًا في النفس.
كلمة جارحة، تجاهل متعمد، سخرية خفيفة، استهانة متكررة، أو ظلم بسيط يتكرر حتى يفقد بساطته. هنا يظهر مفهوم «التسامح مع الأذى اليومي»، ذلك الحد الفاصل بين الحكمة والاستنزاف.
كثيرون يخلطون بين التسامح والقبول الدائم بالإيذاء. يظنون أن الصبر يعني الصمت، وأن العفو يستلزم التنازل المستمر، وأن الأخلاق الرفيعة تفرض احتمال كل شيء.
لكن الحقيقة أن التسامح قيمة نبيلة حين يكون اختيارًا واعيًا، لا حين يتحول إلى عادة تبرر للآخرين الاستمرار في الخطأ.
الأذى اليومي، رغم صغره، يتراكم.
ويؤكد علم النفس أن التكرار يحول التجربة العابرة إلى ضغط نفسي مزمن، يُضعف الثقة بالنفس، ويخلق شعورًا خفيًا بالغضب المكبوت. والإنسان الذي يتسامح دون حدود، لا يتجاوز الأذى، بل يخزنه في داخله، حتى يظهر في صورة إنهاك، أو قلق، أو انفجار مفاجئ لا يفهم سببه.
وفي العلاقات الأسرية، قد يتحول التسامح إلى عبء صامت. زوجة تتغاضى عن التقليل المتكرر، أو ابن يصمت على الإهمال، أو أب يبرر القسوة بدعوى الحرص.
هذه المساحات الرمادية تخلق بيئة غير صحية، يتعلم فيها الأذى أنه مسموح، ويتعلم الصامت أن حقوقه مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
أما في بيئة العمل، فإن التسامح مع الإهانة أو الاستغلال أو التجاوزات الصغيرة، لا يصنع إنسانًا متعاونًا، بل يرسخ ثقافة خاطئة. الموظف الذي يصمت على الظلم، لا يحافظ على استقرار المكان، بل يساهم في تطبيع الخطأ، حتى يصبح الأذى جزءًا من الروتين اليومي.
وقد فرّق الدين بوضوح بين العفو الذي يسمو بالنفس، وبين الظلم الذي لا يجوز قبوله. فالتسامح في جوهره قوة أخلاقية، لكنه لا يعني التفريط في الكرامة، ولا إقرار الباطل. وقد جاءت القيم الدينية لتوازن بين الرحمة والحزم، بين الصبر والدفاع عن النفس، حتى لا يتحول التسامح إلى ضعف مستباح.
ويؤكد المفكرون أن المجتمع الذي يُكافئ الأذى بالصمت، لا يصنع سلامًا حقيقيًا، بل يؤجل الانفجار. فالأذى غير المُواجه لا يختفي، بل يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا.
أما المواجهة الهادئة، ووضع الحدود الواضحة، فهي التي تحفظ العلاقات، وتمنع التمادي، وتُبقي للتسامح معناه النبيل.
التسامح مع الأذى اليومي لا يجب أن يكون رد فعل تلقائيًا، بل قرارًا واعيًا. فهناك أذى يُحتمل لأنه عابر، وهناك أذى يجب إيقافه لأنه متكرر. والحكمة ليست في احتمال كل شيء، بل في معرفة متى نصبر، ومتى نقول كفى، دون صخب ولا قسوة.
حين يكون التسامح نابعًا من قوة داخلية، يُهذّب النفس ويُصلح العلاقات.
أما حين يتحول إلى استنزاف صامت، فإنه ينهك الروح ويشوّه المعنى الحقيقي للأخلاق .
