بقلم : أحمد رشدي
نعيش زمنًا يملك فيه الجيل الجديد مفاتيح المعرفة كلها، أو هكذا يبدو. بضغطة زر يصل إلى آلاف المقالات، وملايين المقاطع، وآراء لا حصر لها في كل شأن. لكنه أكثر الأجيال حيرة واضطرابًا، يعرف كثيرًا من المعلومات، ويفتقر إلى الفهم العميق. فالمعرفة لم تعد رحلة، بل تدفّقًا سريعًا لا يترك أثرًا.
هذا الجيل لا يعاني من نقص في المعلومة، بل من غياب المعنى. يقرأ العناوين دون الغوص في المحتوى، يشاهد المقاطع المختصرة دون سياق، ويحفظ اجزاء من كل شيء دون أن يبني رؤية متماسكة. وهكذا، تتكدس المعلومات في الذاكرة، بينما يظل العقل عاجزًا عن الربط والتحليل والاستنتاج.
والمفارقة أن حتى حين يحاول الأب أو الأم الشرح والتوجيه، تكون فكرة التلقي نفسها مغلقة لدى الأبناء. لا رفضًا متعمدًا، بل لأن نمط الاستقبال قد تغيّر.
لم يعد الصبر على الاستماع حاضرًا، ولا التركيز على الشرح ممكنًا، فالعقل اعتاد الانتقال السريع بين المثيرات، ولم يعد يحتمل السرد أو التدرج في الفكرة.
ويكفي أن ترى منشورًا يتجاوز بضعة أسطر، حتى تُغلق الصفحة دون عناء القراءة. فثقافة التلقي أصبحت مشروطة بالاختصار المفرط، وبالإشباع السريع، وكأن التفكير عبء لا وقت له. هنا لا تُرفض المعرفة، بل يُرفض الجهد المصاحب لها.
المشكلة تتعمق مع إدمان المقاطع القصيرة. هذا النمط من المحتوى، رغم جاذبيته، ينهك العقل على المدى البعيد. فهو لا يمنح المعلومة وقتها الكافي لتُفهم، ولا يسمح للعقل أن يتأملها، ولا يترك مساحة لتخزينها في الذاكرة. معلومة تلاحق أخرى، وصورة تبتلع سابقتها، فينتهي الأمر بعقل ممتلئ ومفرغ في آن واحد.
في التعليم، يظهر هذا الخلل بوضوح.
طلاب يجيدون البحث السريع، ويعرفون أين يجدون الإجابة، لكنهم يعجزون عن تفسير فكرة، أو بناء حجة، أو تطبيق ما تعلموه خارج الإطار المباشر. المعرفة هنا آنية، تزول بانتهاء اللحظة، ولا تتحول إلى فهم راسخ.
أما في النقاشات العامة، فيبدو الجيل حاضرًا في كل القضايا، متفاعلًا مع كل حدث، لكنه غالبًا أسير الانطباعات السريعة. رأي يُبنى على مقطع مبتور، وحكم يُطلق دون معرفة الخلفيات، وموقف يتبدل بتبدل الترند. الصوت مرتفع، لكن البصيرة ضعيفة.
علم النفس والتربية يؤكدان أن الفهم لا يتحقق بكثرة المعلومات، بل ببطء التعلم. بالفشل أحيانًا، وبالأسئلة، وبالقدرة على الشك والتحقق. أما التدفق المستمر للمحتوى السريع، فيخلق وهم المعرفة، لا المعرفة ذاتها.

الأسرة بدورها لم تسلم من هذا التحول. فغياب الحوار الحقيقي، واستبداله بالشاشات، جعل نقل القيم والتجارب يتم بشكل مبتور. لم يعد الأب يروي، ولا الأم تشرح، بل تُركت المهمة لمنصات لا تبني حكمة ولا تزرع عمقًا.
الدين والعقل معًا دعوا إلى التفكر، لا إلى التلقي الأعمى. إلى الفهم قبل الحكم، وإلى التثبت قبل القول. فالعلم بلا فهم قد يكون أخطر من الجهل، لأنه يمنح صاحبه ثقة زائفة، ويجعله يظن أنه يعرف، بينما لا يرى إلا السطح.
جيل يعرف كل شيء… ولا يفهم شيئًا، ليس جيلًا فاشلًا، بل جيل مُرهق من الضجيج. وما يحتاجه ليس مزيدًا من المعلومات، بل إعادة تدريب على الصبر الذهني، ومساحات للصمت، وتعليم يعيد الاعتبار للفهم لا للاستهلاك. فالمعرفة الحقيقية لا تُلتهم، بل تُبنى،
والعقل لا ينضج بالسرعة، بل بالتأمل.
