إن الدين والفطرة السليمة لم يدعوا إلى التكيّف الذي يُلغي الذات، بل إلى التوازن. توازن يحفظ للإنسان كرامته، ويمنحه مرونة دون أن يسلبه صدقه. فالصبر لا يعني القبول الدائم، والحكمة لا تعني إخماد الصوت الداخلي، والتعايش لا يبرر إنكار المشاعر.
وقد أدرك الحكماء أن أقسى أنواع التعب هو ذلك الذي لا نملك له اسمًا، ولا نجد له سببًا مباشرًا.
فهو تعب ناتج عن حياة نعيشها كما يُتوقع منا، لا كما نحتاج نحن. وحين يُهمل الإنسان هذا التعب الخفي، قد يتحول إلى فتور، أو عزلة،
أو انسحاب صامت من كل ما كان يومًا مصدر بهجة.
حين يرهقنا التكيّف، لا يكون الحل في التمرّد الكامل ولا في الانسحاب، بل في استعادة الحق في الصدق مع النفس. أن نختار متى نُجامل، ومتى نكون حقيقيين، ومتى نقول «كفى» دون شعور بالذنب.
فالحياة لا تحتاج إلى ممثلين بارعين بقدر ما تحتاج إلى بشر صادقين. والتكيّف حين يُدار بوعي، يصبح مرونة، لا عبئًا، وقوة، لا إنهاكًا.
