بقلم السيد عيد
في عالمٍ صار فيه “الإشعار” هو سيد الموقف، والهواتف تتحدث أكثر منا، والرسائل تفرض مزاجها علينا بلا استئذان، أصبح السؤال الوجودي الحقيقي: هل نحن أناس نعيش حياتنا، أم مجرد إشعارات تومض على شاشةٍ لا تهدأ؟
الإشعار… كلمة صغيرة لكنها تحمل قوة خارقة. تنبثق فجأة لتسرق انتباهنا، وتحوّلنا من كائنات مفكرة إلى عبيد لوميض الشاشة. هل توقفتَ يومًا لتلاحظ كيف يتحول الإنسان حين يأتيه إشعار؟ يرتجف، يلهث، يضغط على الهاتف وكأنه ينقذ العالم. ثم يقرأ بسرعة، يضحك، يغضب، أو يغمغم… وبعد دقيقة، يأتي إشعار جديد… وهكذا تستمر الحلقة.
لكنك أنت، في عمق ذاتك، لست مجرد “نغمة تنبيه” أو “فقاعة دردشة”. أنت إنسان له عمق، له لحظات صمت يستمع فيها لصوت قلبه، له أحلام يطاردها بعيدًا عن “الأيقونات” والرموز. أنت لست رسالة واردة، ولا تحديثًا يُطلب منك تثبيته، ولا إعلانًا يعترض طريق يومك.
أن تكون أنت يعني أن تتوقف عن الركض خلف كل إشعار، أن تضع الهاتف جانبًا وتلتفت إلى نفسك. أن تسمح لنفسك بأن تفكر بلا إزعاج، تحلم بلا قيود، وتعيش اللحظة بلا أن تضغط “تجاهل”.
كم من مرة فقدنا تفاصيل مهمة في حياتنا لأننا كنا نتابع إشعارات تافهة؟ كم من ابتسامات حقيقية ضاعت بين “السوابات” والتنقل بين التطبيقات؟ كم من أحلام تأخرت لأننا كنا مشغولين في تحديث حالتنا على مواقع التواصل؟
فلسفة الحياة البسيطة تقول: كن أنت… لا تكن إشعارًا.
كن من يصنع اللحظة، لا من يستجيب لها.
كن من يكتب حكايته، لا من يكررها كرسالة منقولة.
كن من يعيش بوعي، لا من ينقاد إلى وميض شاشة.
الإنسان الذي لا يسيطر على وقته، يصبح عبداً للإشعارات. والعبد لا حياة له، بل مجرد انعكاس لما يريده الآخرون. أما الإنسان الحر، فهو الذي يعرف متى يرد، ومتى يقول: “لا الآن.”
في نهاية اليوم، لن يتذكر أحد عدد الإشعارات التي تلقيناها، لكنهم سيتذكرون اللحظات التي كنت فيها حقيقيًا، حاضرًا، وأصيلاً. اللحظات التي كنت أنت فيها، لا مجرد رقم في قائمة التنبيهات.
فأين أنت الآن؟
هل أنت هنا، تقرأ هذه الكلمات، أم أنك تنتظر إشعارًا جديدًا؟
إذا قرأت حتى النهاية، فهنيئًا لك… لأنك بدأت ترفض أن تكون مجرد إشعار!
