دارين محمود
شهدت منظومة التعليم المصري نقلة نوعية جديدة بتوجيهات رئاسية حاسمة صدرت عن اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الدكتور محمد عبد اللطيف. هذه القرارات، التي تتسم بالشمولية والتركيز على التحديات البنيوية، لم تعد مجرد إصلاحات شكلية، بل هي خريطة طريق متكاملة تستهدف بناء “الإنسان المصري” المتسلح بالمعرفة والمهارة، وربطه باقتصاد المستقبل.
1. المعلم أولاً: حجر الأساس للعملية التعليمية
جاء قرار الرئيس بتوجيه الاهتمام المستمر بشؤون المعلمين على رأس الأولويات ليؤكد على فلسفة الدولة بأن المعلم هو حجر الأساس في أي عملية تطوير. وفي هذا السياق، كان التوجيه بـ صرف حافز تدريس إضافي (أُعلن سابقًا عنه بمبلغ ألف جنيه اعتباراً من نوفمبر) والسعي المستمر لتحسين الوضع الاقتصادي للمعلمين، بمثابة اعتراف واضح بضرورة ربط كفاءة الأداء بالتحفيز المادي والمعيشي.
* التحليل: معالجة أزمة العجز في أعداد المعلمين (كما تم التوجه سابقاً بتعيين 30 ألف معلم سنويًا)، يجب أن تتكامل مع تحسين جودة المُعلم الحالي، وتوفير الحوافز يضمن استبقاء الكفاءات وتشجيع الشباب على الانخراط في مهنة التدريس.
2. التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: جاهزية لمستقبل العمل
يُعد التوجيه بـإدراج وتدريس مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب المرحلة الثانوية والفنية ابتداءً من العام الدراسي 2025/2026، النقطة الأكثر دلالة على مواكبة مصر للثورة الصناعية الرابعة. هذا القرار لا يهدف فقط إلى تحديث المحتوى التعليمي، بل إلى تغيير نمط التفكير لدى الطلاب، وتزويدهم بالمهارات التكنولوجية الأساسية التي يحتاجها سوق العمل المستقبلي.
* التحليل: هذا التوجه يعكس استراتيجية واضحة لربط مخرجات التعليم بأهداف التنمية المستدامة “رؤية مصر 2030″، حيث يصبح الطالب مُنتجًا للمعرفة التكنولوجية وليس مُستهلكًا لها فقط.
3. التعليم النوعي وتعميم النماذج الناجحة
تأكيد الرئيس على التوسع في المدارس المصرية اليابانية، وصولاً إلى هدف 500 مدرسة، واستعراض جهود مدارس التكنولوجيا التطبيقية، يؤكد التزام الدولة بـ توفير تعليم نوعي يعتمد على المهارات والقيم، وليس مجرد الحفظ والتلقين.
* التحليل: المدارس اليابانية بنظام “التوكاتسو” تساهم في بناء الشخصية، بينما مدارس التكنولوجيا التطبيقية (التي بلغت 115 مدرسة) تعزز من الشراكة مع القطاع الخاص لضمان تأهيل خريجي التعليم الفني للوظائف المباشرة، مما يحل جزءًا كبيرًا من مشكلة البطالة الفنية.
4. الانضباط وإرساء القيم: الحفاظ على مصداقية الشهادة
أتى التشديد على فرض الانضباط ومكافحة الغش في الامتحانات، خاصة الثانوية العامة، ليعيد التأكيد على أهمية القيمة الأخلاقية للعملية التعليمية ومصداقية الشهادة المصرية. هذا التوجيه يُرسخ أن النجاح يجب أن يُبنى على الجدية والجهد، ولا مكان فيه للتجاوزات.
* التحليل: هذا القرار يهدف إلى القضاء على ظاهرة الغش الجماعي، مما يضمن تكافؤ الفرص بين الطلاب ويعيد الثقة في نتائج الامتحانات كمعيار حقيقي للكفاءة.
خلاصة القول
تُشكل قرارات الرئيس السيسي الأخيرة مظلة شاملة للتطوير، حيث جمعت بين دعم العنصر البشري (المعلم)، ورفع كفاءة الخريجين (التعليم الفني)، ومواكبة العصر (الذكاء الاصطناعي)، والحفاظ على القيمة الأخلاقية للعملية التعليمية (الانضباط). إنها خطة عمل طموحة تتطلب تضافر جهود كافة الجهات لضمان تحقيق رؤية مصر لتعليم يُنافس عالميًا.
