بقلم: سالي جابر
جلسا متقابلين في غرفة بلا نوافذ.
ضوء خافت، وساعة متوقفة، وصمت يشبه الاعتراف.
فرويد:
أنت تكتب يا كافكا وكأنك تُجري تحليلًا نفسيًا دون أريكة.
شخصياتك مريضة… لكنها صادقة.
كافكا (بابتسامة باهتة):
بل أكتب لأن الأريكة لم تكن كافية.
ما فائدة فهم الجرح إن ظل ينزف؟
فرويد:
الكتابة عندك تفريغ للاوعي.
الخوف، الذنب، سلطة الأب… كلها تصرخ بين السطور.
كافكا:
تسميه لاوعيًا، وأسميه محكمة.
محكمة بلا قاضٍ، وبلا تهمة، وبلا براءة.
فرويد (متأملًا):
إذًا أنت لا تبحث عن الشفاء؟
كافكا:
الشفاء؟
أنا أبحث عن تفسير لا يبرئني ولا يدينني… فقط يفسّر لماذا وُجدت هكذا.
فرويد:
الإنسان يا كافكا نتاج صراعاته المكبوتة.
كافكا:
وأنا أراه نتاج اتهام لم يفهمه يومًا.
نولد متهمين، ونقضي العمر نحاول معرفة الجريمة.
فرويد:
لكن المعرفة تحرّر.
كافكا:
أحيانًا تزيد القيود وضوحًا… فتؤلم أكثر.
سكت فرويد قليلًا، ثم قال بصوت أهدأ:
فرويد:
أنت لا تكتب لتفهم نفسك فقط…
أنت تكتب لأن العالم نفسه يعاني اضطرابًا نفسيًا.
كافكا:
العالم مريض، نعم…
وأنا مجرد عرض جانبي.
فرويد:
لو خضعتَ للتحليل، ربما خفّ الألم.
كافكا (ينظر إلى الظل):
ولو خفّ الألم، هل كانت ستولد الحقيقة؟
بعض المعاناة يا دكتور… رحمٌ للفهم.
توقفت الساعة عن الصمت… لكنها لم تتحرك.
وبقي السؤال معلقًا بينهما:
هل نكتب لنتعافى؟
أم لأننا لن نتعافى أبدًا؟
