سالي جابر- أخصائية نفسية
كيف نحمي الطفل والمعلمة في زمن الفروق الفردية؟
في كل فصل دراسي يجلس الأطفال على مقاعد متشابهة، لكن عقولهم وطاقاتهم وقدراتهم مختلفة إلى حدٍّ كبير. هذا يفهم من أول شرح، وذاك يحتاج التكرار، وثالث يعرف الإجابة لكنه يعجز عن التعبير عنها، ورابع لا يستطيع الجلوس أو التركيز بسبب ضعف في الوظائف التنفيذية.
وسط هذا التنوع، تُطالَب المعلمة بأن تُنجز، وتحتوي، وتضبط، وتُعطي بلا توقف، وكأنها آلة لا تكلّ ولا تنفد طاقتها.
الفروق الفردية: واقع تربوي لا رفاهية
الفروق بين الأطفال في سرعة الاستيعاب والانتباه والذاكرة والتنظيم الذاتي ليست خللًا تربويًا ولا دلعًا مفرطًا، بل حقيقة نمائية مثبتة علميًا.
المشكلة لا تكمن في وجود هذه الفروق، بل في تجاهلها، أو التعامل معها بمنطق واحد يصلح للجميع.
كثير من السلوكيات التي تُوصَف داخل الفصل بأنها إهمال أو عناد تكون في حقيقتها عجزًا في مهارات التنفيذ الذاتي، لا ضعفًا في الأخلاق أو التربية.
المعلمة كائن حي له طاقة وحدود
من أخطر ما يُهمل في العملية التعليمية هو الجانب النفسي للمعلمة.
المعلمة ليست مجرد ناقلة معرفة، بل إنسانة لها طاقة نفسية إذا استُنزفت انعكس ذلك مباشرة على الأطفال.
الضغط المستمر دون دعم يؤدي إلى:
– توتر وعصبية غير مقصودة
– ظلم غير واعٍ لبعض الأطفال
– فقدان الحماس والتعاطف
– ومعلمة مرهقة لا تستطيع خلق بيئة آمنة للتعلّم مهما بلغت كفاءتها.
كيف تتعامل المعلمة مع الفروق دون أن تؤذي نفسها أو أطفالها؟
أولًا: العدالة لا تعني المساواة
ليس المطلوب أن يحصل جميع الأطفال على المعاملة نفسها، بل على ما يناسب قدراتهم.
طفل يحتاج وقتًا أطول، وآخر يحتاج تبسيطًا، وثالث يحتاج حركة أو دعمًا بصريًا… وهذا ليس دلعًا، بل تكيّف تربوي صحي.
ثانيًا: تعليم المهارات قبل محاسبة السلوك
كثير من الأطفال لا يفتقرون إلى الرغبة، بل إلى مهارات التنظيم، والبدء، والاستمرار، وإنهاء المهام.
تعليم هذه المهارات يقلل من الصراخ والعقاب ويزيد من الاستقلالية داخل الفصل.
ثالثًا: الحدود الواضحة تحمي الجميع
التفهم لا يعني الفوضى.
الطفل يحتاج قواعد بسيطة وثابتة، وعواقب هادئة غير مهينة، وروتين يمنحه الشعور بالأمان، ويحمي المعلمة من الاستنزاف.
دلع أم احتياج؟ سؤال يحتاج وعيًا
ليس كل طفل متطلب مدللًا، وليس كل حزم قسوة.
التمييز بين الاحتياج الحقيقي واختبار الحدود مهارة تربوية، لا حكمًا أخلاقيًا سريعًا.
حين نعترف بالفروق الفردية، ونحترم طاقة المعلمة، ونتوقف عن تحميل الجميع قالبًا واحدًا،
نحمي الطفل من الفشل المبكر،
ونحمي المعلمة من الاحتراق النفسي،
ونعيد للتعليم معناه الإنساني قبل الأكاديمي.
