كتبت/ سالي جابر
استيقظت الأمهات في العقد الأخير على رسالة كونية جديدة: “طفلك لن يكون سعيدًا في المدرسة إلا إذا اصطحب معه لانش بوكس فاخر، يحتوي على رحلة كاملة من المطبخ المصري، بدءًا من الملوخية وانتهاءً بالبطة المحشية.”
نعم يا عزيزي القارئ، لم تعد الساندوتشات تكفي، ولا حتى التفاحة الكلاسيكية. اليوم صار الطفل مطالبًا بأن يفتح لانش بوكسه في الفسحة، فإذا به يجد وجبة أقرب إلى “عزومة الخميس عند تيتا”.
أحد الأطفال، وفقًا لإشاعات لم تؤكدها وزارة التربية والتعليم، قيل إنه وجد في لانش بوكسه صينية جلاش باللحمة المفرومة، فجلس يبكي لأنه لم يحضر معه “طاسة صغيرة” ليسخن فيها الجلاش. زميله في الفصل فتح اللانش بوكس فوجد ملوخية بالأرانب، وسأل المعلمة بكل براءة: “هو فين الأرز؟”
المعلمة بدورها دخلت في أزمة وجودية: “كيف أشرح الكسور العشرية بينما أمامي طفل بيغمس عيش في الملوخية؟”
لكن لنكن منصفين، القصة ليست عن الملوخية. القصة عن اللايكات. الملوخية مجرد وسيلة انتقال. الطفل هو الضحية الأولى، أما الضحية الثانية فهي كل أم بريئة فتحت ريلز بالصدفة، ورأت لانش بوكس فيه محشي ورق عنب مرصوص بالمسطرة، فجلست تبكي على الساندوتش الجبن الرومي الذي أعدته لأولادها.
وعندما صار المشهد تجميعًا لآيات وتعليقات، أصبح الجميع يقوم بتصوير فيديو عن اللانش بوكس. لم يكن طعام الطفل في المدرسة، إنما يُحفظ في علب الثلاجة… وتلك للمشاهدات فقط.
اللانش بوكس إذن لم يعد مجرد علبة طعام، بل صار رمزًا للإنسان المعاصر: علبة مدهونة من الخارج، مبردة من الداخل، محشوة بأحلام ليست للأكل، بل للعرض أمام الآخرين.
أما الطفل المسكين؟ على الأغلب سيعود من المدرسة جائعًا، ويقول لأمه بكل براءة:
“ممكن بليلة بالسكر؟”
