كتبت: رانده حسن
العنف والرعب الأُسَري… هل هو حالة أم ظاهرة؟
للأسف الشديد، إنه ظاهرة وليست مجرد حالة فردية.
فقد تفشّى العنف والرعب الذي يولد داخل قلوب الأبناء والزوجات من الأب أو الزوج…
وهذه الظاهرة لا تقتصر على المجتمعات العربية فحسب، بل نراها أيضًا في المجتمعات الغربية — الأوروبية والأمريكية.
يتحوّل المنزل من مَصدر للدفء والحنان والعطف والأمان إلى مكان يملؤه الرعب والألم والخوف والقهر والعذاب…
بسبب فردٍ واحدٍ فقط، يتحول البيت إلى جحيمٍ لا يُطاق.
دعوني أوضح لكم أنواع هذا العنف، والتي تنقسم إلى ما يلي:
أولًا: العنف الجسدي
مثل ضرب الأب لأبنائه ضربًا عنيفًا قد يؤدي إلى الكسر أو الحرق، وأحيانًا إلى الموت.
وكما يحدث مع الأبناء، تتعرض الزوجة هي الأخرى للضرب والإهانة، فيتحول كسرها الداخلي قبل الخارجي إلى حقد وغلٍّ وكراهية تجاه ذلك الوحش — الأب أو الزوج.
ثانيًا: العنف اللفظي
وهو استخدام الألفاظ الخارجة والكلمات النابية، والتنمر، والتقليل من شأن الآخر وإهانته، مما يؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس.
ثالثًا: العنف العاطفي أو النفسي
ويتمثل في فرض العزلة، ومنع التواصل مع الأهل والأصدقاء، والسيطرة الكاملة على حياة الزوجة أو الأبناء، فيصبح المتسلط هو الآمر الناهي وعلى الجميع الطاعة العمياء.
رابعًا: العنف الاقتصادي
بسبب الحاجة إلى المال، يستقوي بعض الرجال على الزوجة والأبناء بالضغط المادي، ويمنحهم ما يراه هو مناسبًا، دون النظر إلى احتياجاتهم الفعلية.
لكن رغم تلك القسوة من الأب أو الزوج، يبرز سؤال مهم:
كيف تتكون هذه الشخصية العدوانية النرجسية المتسلطة؟
تشير الدراسات والبحوث في علم النفس إلى أن:
1. غالبية من يمارسون العنف الأسري كانوا ضحاياه في طفولتهم.
فالولد الذي تعرّض للعنف يصبح عندما يكبر نسخةً من أبيه، محاولًا التنفيس عن ألمه الداخلي، لأنه لم يتعافَ نفسيًا ولم تتضح لديه الصورة الصحيحة لمفهوم الأب الرحيم أو الزوج الصالح، فتتكرر المأساة عبر الأجيال.
2. الضغوط المادية قد تدفع الزوج إلى تبرير عنفه، فيقنع نفسه بأن كثرة طلبات الأسرة سبب كافٍ للعنف، ويجبر زوجته على العيش وفق ما يمنحها فقط.
كما تغذي بعض الأمثال الشعبية السيئة هذه النزعة، مثل: “ادبح القطة لمراتك عشان تخاف منك”، أو “اكسر للبنت ضلع يطلع لها أربعة وعشرين”.
هذه الأمثال المليئة بالعنف والكراهية جعلت من بعض الذكور وحوشًا لا بشرًا.
الآثار المترتبة على العنف والرعب الأسري:
تظهر في شخصيات مملوءة بالخوف وانعدام الثقة بالنفس، والتردد، وعدم القدرة على اتخاذ القرارات أو المشاركة الفاعلة في الحياة اليومية والعمل.
وفي بعض الحالات، يؤدي العنف الأسري إلى الانتحار هربًا من قسوة الواقع.
لا بد من التعافي…
علينا أن نواجه هذا العنف بكل حزم، وأن نرشد مرتكبيه، وإن لم يرتدعوا، يجب الإبلاغ عنهم ومعاقبتهم على أفعالهم.
ينبغي تنشيط دور منظمات حقوق الإنسان والطفل والمرأة في التوعية بأضرار العنف الأسري بجميع أشكاله — الجسدية والنفسية والاقتصادية.
كما يجب تفعيل التوعية الدينية، والنسائية، والوطنية في المدارس والجامعات بين الطلاب والطالبات، لترسيخ القيم والمبادئ وأصول الدين التي كرّمت المرأة، وأمرت بالرحمة والعطف والمودة والسكن بين الزوجين والأبناء.
رسالتي…
إلى الأهل والمجتمع:
أبناؤكم أمانة بين أيديكم، فاغرسوا فيهم الدين، والرحمة، والتسامح، والحب، والعطف، والبر، والتعاون، والكلمة الطيبة التي تجبر الخاطر،
حتى لا نرى تلك الظواهر البشعة التي تحولت من سبٍّ وضربٍ وإهانةٍ إلى جرائم أكبر.
