بقلم : أحمد رشدي
ورأيتها…
والحزنُ يطلُّ أطنانًا من عينيها،
وما كنتُ أعرفُ للحزنِ وجهًا
قبل أن ألتقيه في ملامحها.
ورأيتها
والقلبُ يعصره الأنين،
قلبٌ أعيته الأيامُ والسنون،
وصمد طويلًا،
لكنه انكسر يومها.
وما لي والأحزانُ
وقد غلبتني برِقّة حزنها المثير،
تقدّمت نحوي بلا ضجيج،
كأنها تعتذر عن وجعها،
وكأن الألم خُلق فيها
ليكون أكثر إنسانية.

ورأيتها…
كانت تعاني من قسوةِ من حولها،
تمشي بينهم
كمن يخشى الافتراس،
تحمل قلبًا أعزل
في عالمٍ لا يرحم.
نشأت بينهم
بقلبٍ مرهف الإحساس،
تعطي من الخير الكثير،
كأن العطاء فطرتها،
وكأن التعب لا يعرف
طريقه إلى روحها.
يجود قلبها
بعطاءٍ لا يزول،
بينما الكلُّ مشغولٌ عنها،
لا يلتفت إلا حين يحتاج،
ولا يعود
إلا ليطلب المزيد.
أدهشتني
برِقّة وعذوبة صوتها،
كان حديثها يشبه الدعاء،
هادئًا،
نقيًّا،
يصل إلى القلب
دون استئذان.

ورأيتها
جمالًا ينير الكون،
جمالًا لا يصرخ،
ولا يتباهى،
بل يمرّ كالنور
حين يكون صادقًا.
كانت وردةً بين الأشواك،
مزهرة رغم الألم،
تجرحها القسوة
فتنحني،
لكنها لا تنكسر،
وتبقى
تعلّم القسوة
كيف تخجل.
نظرت إليّ،
فارتبك قلبي،
ليس حبًّا،
بل دهشةً ممزوجةً بعجز،
كيف لقلبٍ واحد
أن يحتمل كل هذا الوجع
ويبقى كريمًا؟
ورأيتها…
فأحببتُ الصمت،
لأن الكلام لا يُجيد
مواساة العيون المكسورة،
وأدركت أن بعض الأحزان
لا تُعالَج،
بل تُحتضَن.
ورأيتها…
فلم أعد كما كنت،
فبعض الوجوه
تمرّ بنا
وتترك في القلب
جرحًا جميلًا
لا يلتئم،
وذكرى
تعلّمنا أن الرِّقّة
قد تكون
أقسى أشكال الألم،
وأصدقها.
