عبدالحفيظ يونس
لم يعد الخلط بين الحرية والفوضى، ولا بين التجريب والعبث، أمرًا عابرًا في مشهدنا الثقافي، بل تحوّل إلى ظاهرة تُسوَّق تحت مسمّى «الشعر المرسل» أو «الأغنية الشبابية». وهو خلطٌ لا يسيء إلى الذائقة العامة فحسب، بل يسيء إلى مفهوم الفن نفسه.
فليس كل كلامٍ مُرسَل شعرًا، ولا كل تخلٍّ عن الوزن والقافية حداثة. ما يُقدَّم لنا اليوم في كثير من المنابر نصوصٌ بلا معنى، صورٌ متراكمة بلا رابط، وكلماتٌ التُقطت من الشارع ورُصّت اعتباطًا، ثم أُلبست ثوب الجرأة والتجديد. والنتيجة: فراغ دلالي يُراد له أن يُقنعنا بأنه إبداع.
الثقافة ليست ترفًا، بل هي مرآة هوية الأمة وشرط نهوضها. وقد أثبت التاريخ، كما قال العقاد، أنه لا نهضة اجتماعية بلا نهضة أدبية مرافقة. ولقد كان الشعر، إبّان ثورة التحرير، سلاحًا معنويًا حافظ على الذاكرة والكرامة، وأشعل روح المقاومة. فكيف نرضى اليوم بأن يتحوّل إلى هذيان لغوي بلا رسالة ولا جمال؟
إن الأزمة ليست في الشكل، بل في الغياب التام للرؤية والمعنى. فالشعر، كما يقول العقاد، «من نفس الرحمن مقتبس»، ولا يمكن أن يكون كذلك وهو منفصل عن الإنسان، وعن الحسّ الجمالي، وعن المسؤولية الأخلاقية للكلمة.
ليس المطلوب مصادرة التجريب، بل إنقاذه من العبث. فبين الشعر الحرّ، والشعر المُرسَل من المعنى، مسافة يجب على النقد الحقيقي أن يضيئها… قبل أن يضيع الذوق، ويُغتال المعنى باسم الحداثة.
