بقلم إيمان دويدار
نقف جميعًا على الرصيف نفسه، لكننا لا ننتظر الشيء ذاته.
واحد ينتظر فرصة، وآخر ينتظر نهاية يوم، وثالث ينتظر رسالة لا تأتي. الرصيف لا يميّز بين أحذية لامعة وأقدام متعبة، ولا يسأل العابرين عن أحلامهم قبل أن يتركهم يمضون.
في المدينة، نتعلم المشي بسرعة كي لا نسمع أنفسنا. الزحام صار وسيلة للهروب: من سؤال مؤجل، من حزنٍ مؤدب، من وجعٍ نعرفه بالاسم ولا نجرؤ على مناداته. نضحك كثيرًا لأن الضحك أسهل من الاعتراف، ونسأل “عامل إيه؟” دون أن ننتظر إجابة، كأن السؤال تحية لا باب.
نشيخ مبكرًا لا لأن العمر ثقيل، بل لأن التفاصيل تُرهق. فاتورة تتأخر، مكالمة تُلغى، وعد يُعاد تدويره. نتقن فن التحمّل حتى ننسى الفرق بين الصبر والاستسلام. نقول “معلش” أكثر مما ينبغي، ثم نبحث عن أنفسنا في المرآة فلا نجد سوى انعكاسٍ مؤدّب.
ومع ذلك، ما زال في الناس شيءٌ عنيد. ستراه في يدٍ تمتدّ بلا حساب، وفي مقعدٍ يُفسح دون إعلان، وفي أمٍّ تودّع ابنها بالدعاء كأنه درع. ستراه في قهقهةٍ مفاجئة داخل أتوبيس مكتظ، وفي بائعٍ يعرف أسماء زبائنه كأنه يحفظ قلوبهم.
الحياة ليست عادلة، نعم، لكنها قابلة للترميم. تُرقَّع بنوايا طيبة، وتُصلَّح بكلمة في وقتها، وتستقيم أحيانًا بابتسامة لا تفسير لها. نحن لسنا ملائكة، لكننا نحاول. نحاول أن نكون أخفّ على بعضنا، وأن نترك المكان أقلّ قسوة مما وجدناه.
وعندما نعود إلى الرصيف ذاته، ربما نكتشف أن الانتظار تغيّر. لم يعد انتظارًا لشيءٍ بعيد، بل تدريبًا على أن نكون بشرًا—بكل ضعفنا، وبكل تلك القدرة الغريبة على الاستمرار.
