بقلم إيمان دويدار
لم تكن الأيام تركض هكذا من قبل.
كانت تمشي على مهل، كعجوز تعرف الطريق وتحفظ أسماء البيوت، تتوقف لتسلم، وتجلس قليلًا على العتبة، وتترك أثرها واضحًا قبل أن ترحل.
زمان، كان للوقت طعم.
طعم الشاي بعد العصر، ورائحة الخبز وهو يخرج من الفرن البلدي، وصوت المذياع يسبق المغرب بخبرٍ أو أغنية. لم نكن نسأل: الساعة كام؟
كنا نسأل: الشمس وصلت فين؟
اليوم، الوقت بلا ملامح.
نعدّه بالأرقام لا بالإحساس، ونطارده ولا نمسكه، ونشكو قسوته ونحن من صنع له هذا الجري المجنون. صرنا نعيش كثيرًا، ونشعر قليلًا، ونتكلم أكثر مما نصغي.
كان الكلام زمان عملة نادرة.
الكلمة تُقال مرة، لكنها تعيش عمرًا.
الوعد كان عقدًا غير مكتوب، والاعتذار شجاعة، والسكوت حكمة، والنظرة أصدق من ألف رسالة.
أما الآن، فالكلام فائض عن الحاجة، حتى فقد معناه.
نكتب كثيرًا ولا نقول شيئًا، نرسل القلوب ولا نشعر بها، نضغط “إعجاب” على أحزان لا نفهمها، ثم نمضي.
زمان، كان الناس يعرفون بعضهم.
ليس بالأسماء فقط، بل بالطباع.
يعرفون من يغضب سريعًا ومن يرضى بسهولة، من يكتم حزنه ومن يضحك ليخفيه. كانت العلاقات بطيئة، لكنها عميقة، مثل نهر لا يضج، لكنه يروي.
اليوم، العلاقات سريعة… وهشة.
تشبه زجاجًا لامعًا، جميلًا من بعيد، ينكسر من أول لمسة صادقة.
نحن لا نفتقد الماضي لأنه كامل،
بل لأنه كان أقرب للإنسان.
كان الخطأ يُغفر،
والضعف يُحتوى،
والاختلاف لا يعني العداوة.
كان للبيوت أسرار،
وللشوارع ذاكرة،
وللناس ستر.
الآن، كل شيء مكشوف…
حتى القلوب، صارت معروضة بلا حماية.
ومع ذلك،
لسنا بلا أمل.
ففي زحام هذا العالم،
ما زال هناك من يمشي على مهل،
من يصغي أكثر مما يتكلم،
من يربّت على كتفك دون سبب،
من يتذكرك في دعائه لا في “الستوري”.
هؤلاء هم بقايا الزمن الجميل،
ليسوا قدامى…
بل أوفياء لفطرة لم تمت.
ربما لن تعود الأيام كما كانت،
لكننا نستطيع أن نكون كما كنا:
أبسط، أصدق، أرحم.
فالأخلاق لا تشيخ،
والقلب الذي تعلّم الحب مرة،
يعرف الطريق دائمًا…
حتى لو تغيّر الزمان.
