احمد حشيش
كثيراً ما نسمع عبارة تتردد دائماً تقول «إن الفنون جنون» ودائما ما نسمع هذه الجملة، ولا ندري إن كانت جملة ساخرة، أم أن بها شيئاً من الحقيقة؟ ومن الجمل الأخري المرتبطة بهذا المعني أيضاً «إن هناك شعرة رقيقة بين الجنون والعبقرية»، وحقيقة الأمر أن الجملتين اللتين سبق ذكرهما تشيران إلي معني واحد ، وهما صحيحتان من الناحية العلمية،،
فقد لا يخفي علي الكثير منا أن المخ من الناحية التشريحية ينقسم إلي نصفين كرويين أحدهما يسار، والآخر يمين، وأن هذين النصفين يتصلان ببعضهما من خلال شبكة من الألياف العصبية تسمي (corpus callosum) تقوم بمهمة التوفيق والانسجام بين عمل الفص الأيمن،
والفص الأيسر من المخ، حيث إن لكل منهما مهمة ووظيفة وكفاءة، تختلف تماماً عن نظيره الذي يقبع في الجهة الأخري من الرأس، فالجانب الأيمن من جسمنا يتحكم فيه النصف الأيسر من المخ والعكس صحيح، وفي الأشخاص الذين يكتبون بيدهم اليمني تكون وظائف النصف الأيسر،
أو الفص الأيسر من النصفين الكرويين من المخ هي الفهم، والمنطق، والتعامل مع التفاصيل، والحقائق، وقواعد اللغة، ومعرفة الأسماء، واستيعاب الزمن الحاضر والماضي، وفهم قواعد الرياضيات والعلوم، والأشياء المبنية علي حقائق ملموسة، واستراتيجية عملية.
أما الفص الأيمن من النصفين الكرويين فهو مسؤول عن الإحساس، والخيال الجامح ، والفن، والإبداع، والتصور، ورؤية الصورة بشكل عام دون إدراك للتفاصيل، وتفسير الرموز، وفهم الأمور الفلسفية والدينية، ومعرفة وظائف الأشياء المختلفة، وهو أيضاً مسؤول عن التصرفات الطائشة غير المحسوبة والمتهورة واستيعاب الزمن الحاضر والمستقبل.
وهكذا نستطيع أن نتبين أننا في حاجة ماسة وملحة إلي تناغم هذين النصفين: اليسار واليمين، لكي يصبح الإنسان شخصية سوية، وأن العلماء في مجالات العلم المختلفة مثل الرياضيات والفيزياء والعلوم وغيرها ينبغي عليهم أن يمارسوا تمارين للتأمل والتخيل،
والاهتمام بالجوانب الفنية والدينية والكتابة الإبداعية، من أجل تنمية النصف الأيمن لديهم، حيث يكون النصف الأيسر عندهم هو المسيطر والطاغي، فتجدهم يميلون إلي النظام والدقة والمنطق، وتحليل التفاصيل والبحث عنها، ولذلك فقد كان «ألبرت أينشتاين» الذي يعد من أعظم علماء العصر،
يفخر ببراعته في العزف علي آلة «الكمان» بنفس درجة اعتزازه وفخره باكتشاف نظرية النسبية، وبإنجازاته العلمية الأخري غير المسبوقة، وكذلك الفنانون والمبدعون والفلاسفة ينبغي أن يمارسوا تمارين يتدربون فيها علي تقوية الذاكرة من خلال تذكُّر تفاصيل الأشياء وأسمائها وأرقامها، ولا مانع من التدريب علي بعض مسائل الرياضيات أو العلوم،
حيث إن النصف الأيمن لديهم هو المسيطر والطاغي، وينبغي عليهم ألا يتجاهلوا النصف الأيسر، المسؤول عن النظام والدقة والمنطق، وتحليل التفاصيل، لكي يحدوا من تهورهم وفوضويتهم وعدم منطقيتهم، التي تسببت في شيوع القول المأثور: «الفنون جنون».
وهناك بعض الأمراض التي تنتمي إلي الأمراض ثنائية القطب (Bipolar disorders)، التي يكون فيها مخ الإنسان في بعض الاحيان متجاهلاً للجزء الخاص بفهم مغزي الصورة، مما يعطي الفرصة لهذا الإنسان ليتوغل في عقله الباطن أو اللاوعي، لكي ينهل من كثير من المواد الخام من الأفكار والإبداعات التي لا تظهر، ولا يدركها الإنسان في حالة إدراكه الصورة الكبيرة ككل، ثم يعود مرة أخري إلي حالته الطبيعية، فيصبح هذا الإنسان يملك وجهتين للنظر، حسب حالته النفسية والمزاجية، إحداهما منطقية وواقعية،
ومبنية علي أساس وحسابات وخبرات سابقة، أما الأخري فتكون فوضوية أو مشوشة، إلا أنها تحمل في طياتها أفكاراً خلاقة ومبدعة وغير تقليدية، وبالتالي يمكن لهذا الإنسان أن يخرج منه، من خلال تجمع وجهتي النظر هاتين، أشياء مبدعة وخلاقة تجعله في مصاف الفنانين والمبدعين والعباقرة.
الخلاصة أن كل واحد من النصفين الكرويين للمخ: الأيسر والأيمن، يري العالم من حوله بمنظور مختلف وبطريقة مختلفة، وأحياناً يتجبر أحدهما علي الآخر، مما ينعكس علي شخصية الإنسان واتجاهاته وميوله ومواهبه، وكلما كان عمل الشبكة العصبية التي تصل هذين النصفين (Corpus Callosum ) متميزاً ونشيطاً، كان هناك توازن في الشخصية، وتعدد في المواهب والملكات من خلال استخدام كل من النصفين الكرويين في حالة من الانسجام والتكامل والتناغم.
