د.نادي شلقامي
في أرشيف الوادي الجديد، تكاد تكون الصفحات خالية من اسم امرأة في خانة “المحافظ”. لعقود، ظل المنصب حكراً على الرجال، وظلت المحافظات الحدودية — بحجمها وتحدياتها — بعيدة عن التجربة النسائية. لكن في “بدخلو”، تلك البلدة التي لا يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف، نشأت حنان مجدي لتُحطم هذا التاريخ. اليوم، وهي في عمر لم يتجاوز الأربعينيات، تجلس على كرسي كان يعتقد كثيرون أنه “كبير” على المرأة و”صغير” على عمرها، لتصبح أول محافظة في الوادي الجديد، وأصغر من تولى هذا المنصب في إقليم حدودي مصري.
لم تكن رحلة حنان مجدي وليدة الصدفة؛ فهي ابنة كلية العلوم بجامعة القاهرة، الباحثة في كيمياء النبات والهندسة الوراثية، التي استبدلت مجهر المختبر برؤية استراتيجية أوسع.
انطلقت من البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب، لتكون سفيرة لفتيات الواحات في المحافل الوطنية، حاملةً طموح جيل جديد يؤمن بأن الكفاءة لا تعرف نوعاً أو عمراً.
الدكتورة حنان مجدى من مواليد شهر سبتمبر عام 1988 بقرية بدخلو بالداخلة،خريجة كلية العلوم قسم كيمياء.وحاصلة على عدد كبير من الدورات التدريبية فى أكاديمية ناصر للعلوم العسكرية والأكاديمية الوطنية للتدريب.
وفي عام 2018، دخلت ديوان عام المحافظة كأصغر نائب محافظ، وفي جعبتها ملفات شائكة. لم تكتفِ بالجلوس خلف المكاتب المكيفة، بل شوهدت في مواقع العمل، تتابع المدارس، تتفقد المستشفيات، وتدير منظومة الحوكمة بصرامة “كيميائية” دقيقة.
وأثبتت حنان أن “اللمسة النسائية” في الإدارة لا تعني اللين، بل تعني التدقيق في جودة حياة المواطن البسيط ،والانحياز لملفات الصحة والتعليم،و رؤية مستقبلية تعتمد على التكنولوجيا والتحول الرقمي.
وفي 16 فبراير 2026، وأمام رئيس الجمهورية، لم تكن حنان مجدي تؤدي اليمين لنفسها فقط، بل كانت تؤديه عن كل فتاة في الوادي الجديد والحدود المصرية. تعيينها محافظاً هو “رد اعتبار” لقدرة المرأة على قيادة الأقاليم الصعبة، وإدارة الموارد الاستراتيجية من زراعة واستثمار وسياحة بذكاء وحزم.
وتقف الدكتورة حنان مجدي كأيقونة لتمكين الكفاءات الشابة، إنها لا تدير مجرد محافظة، بل تقدم نموذجاً حياً للدولة المصرية الحديثة؛ الدولة التي تمنح الفرصة لابنة القرية البعيدة لتصبح “الرجل الأول” في إقليمها، متسلحةً بالعلم، والتدريب، والإرادة التي لا تلين.
وتأتي حركة المحافظين الجديدة في إطار توجه الدولة نحو تمكين الكفاءات الشابة والدفع بقيادات تمتلك خبرات ميدانية ورؤية تنفيذية قادرة على تحقيق التنمية الشاملة بالمحافظات، خاصة الحدودية منها، مثل الوادي الجديد، التي تمثل ظهيرًا استراتيجيًا لمصر وتتمتع بفرص واعدة في مجالات الزراعة والاستثمار والسياحة.
