بقلم : أحمد رشدي
ليس الغضبُ في ذاته عيبًا؛ فهو انفعالٌ فطريٌّ أودعه الله في النفس البشرية لحماية الكرامة ودفع الظلم.
غير أن الخطر كل الخطر يكمن في حين يتحول هذا الانفعال إلى طاقةٍ مكبوتة، تُحاصر في الأعماق، فلا تُفهم ولا تُعبَّر، بل تتراكم طبقةً فوق أخرى حتى تصبح نارًا صامتةً تلتهم صاحبها قبل أن تمتدَّ إلى غيره.
الغضب المكبوت ليس صراخًا ولا انفعالًا ظاهرًا؛ إنه صمتٌ ثقيل، وابتسامةٌ مصطنعة، ومواقف تُبتلع فيها الكلمات خشية الصدام أو فقدان القبول. وهو غالبًا ما ينشأ من تربيةٍ تُشيطن التعبير عن المشاعر، أو من بيئةٍ تُعاقب الصراحة، أو من علاقاتٍ يختل فيها ميزان القوة. فيتعلم الإنسان أن يكتم، وأن يتظاهر بالرضا، بينما في داخله اعتراضٌ مكتوم.

وللغضب المكبوت أنواع متعددة؛ فهناك غضبٌ أسريٌّ ينشأ من تراكمات الطفولة، حين لا يُسمح للطفل بالتعبير عن رفضه أو ألمه.
وهناك غضبٌ مهنيٌّ يتولد من شعورٍ بالظلم أو التهميش في بيئة العمل. وهناك غضبٌ عاطفيٌّ ينمو في العلاقات غير المتوازنة، حين يُقدِّم طرفٌ تنازلاتٍ مستمرة دون اعترافٍ أو تقدير. بل قد يوجد غضبٌ وجوديٌّ عميق، مرتبط بإحساسٍ عام بعدم العدالة أو فقدان المعنى.
أما آثاره، فهي لا تقف عند حدود النفس؛ إذ تشير دراسات علم النفس الإكلينيكي إلى أن كبت الانفعالات لفترات طويلة يرتبط بارتفاع مستويات التوتر المزمن، وزيادة احتمالات الإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب، بل وبعض المشكلات الجسدية كارتفاع ضغط الدم واضطرابات الجهاز الهضمي.
وقد أوضح علماء النفس أن الانفعال غير المُعالج لا يختفي، بل يتحول إلى أعراضٍ نفسية أو جسدية بطرقٍ غير مباشرة.
ويرى علماء السلوك أن الإنسان حين لا يُعبّر عن غضبه بطريقة صحية، فإنه غالبًا ما يُسقطه على مواقف صغيرة لا تستحق، فتكون ردود فعله مبالغًا فيها، أو يتحول إلى نقدٍ دائم للآخرين، أو إلى انسحابٍ اجتماعيٍّ يزداد مع الوقت.
وهنا تتشكل دائرة مغلقة من الاحتقان واللوم الذاتي والشعور بالذنب.
أما في ميزان الدين، فقد جاء التوجيه واضحًا في ضبط الغضب لا إنكاره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” رواه البخاري ومسلم. فالرسالة هنا لا تدعو إلى كبت الغضب، بل إلى إدارته والتحكم فيه.
وفي حديثٍ آخر، لما استوصاه رجلٌ، قال له: “لا تغضب” وكررها مرارًا.
وهو توجيهٌ يحمل معنى الوقاية من انفلات الانفعال، لا دفنه في الأعماق.
وقد فسر العلماء هذا التوجيه بأن الغضب إن تُرك بلا ضابط أفسد العلاقات وأهلك صاحبه، وإن أُدير بحكمة صار قوةً أخلاقية تدفع إلى الإصلاح. فالإسلام لا يطلب من الإنسان أن يكون بلا مشاعر، بل أن يكون سيدًا عليها لا أسيرًا لها.
أما العلاج، فيبدأ بالاعتراف.
فالخطوة الأولى هي أن يعترف الإنسان بأنه غاضب، وأن هذا الغضب مشروع في بعض أسبابه، لكنه يحتاج إلى صياغةٍ صحية.
ومن الوسائل العملية: التعبير الهادئ الصريح عن المشاعر دون اتهام، والكتابة التفريغية، وممارسة الرياضة لتخفيف التوتر، والتأمل الواعي الذي يعيد للنفس توازنها. كما أن الاستعانة بمختصٍّ نفسي في الحالات المزمنة خطوة ناضجة لا تنتقص من قيمة صاحبها.

ومن المنظور الروحي، فإن الوضوء والصلاة وذكر الله وسائل عملية لتهدئة النفس؛ إذ ورد في السنة أن الغضب من الشيطان، وأن من وسائل دفعه تغيير الهيئة والسكوت والاستعاذة بالله. وهذه التوجيهات ليست طقوسًا شكلية، بل تقنيات ضبطٍ نفسي وروحي أثبتت التجربة أثرها في تهدئة الانفعال.
إن الغضب المكبوت لا يُعالج بالصمت،
بل بالوعي. ولا يُطفأ بالتجاهل، بل بالفهم والتفريغ المنضبط.
فالإنسان القوي ليس من لا يغضب، بل من يعرف لماذا غضب، وكيف يحوّل طاقته من هدمٍ داخلي إلى إصلاحٍ خارجي،
ويبقى السؤال الأصدق: هل نسمح لمشاعرنا أن تُدار بعقلٍ واعٍ وقلبٍ مطمئن، أم نتركها تتراكم حتى تنفجر في لحظةٍ لا نملك زمامها؟
إن بين الكبت والانفجار طريقًا ثالثًا…
طريق الحكمة، حيث يُصبح الغضب طاقةً واعية لا نارًا خفية.
