بقلم: البروفيسورة روحية الشريف
لم تكن مصر يوماً مجرد إحداثيات جغرافية على خارطة العالم، بل هي “فكرة أزلية” صاغها القدر لتكون حجر الزاوية في بناء الحضارة الإنسانية. هي “فجر الضمير” الذي أشرق بنوره حين كان العالم يغط في ظلام الجهل، وهي الحصن الحصين الذي فتح أبوابه لكل مكلوم ومستجير.
عبر العصور، لم تكتفِ مصر بحماية حدودها، بل كانت الدرع الواقي للقضايا الإنسانية، والقلب النابض بالعروبة، لتثبت دائماً أن دورها الريادي ليس مجرد اختيار، بل هو قدرٌ تاريخي لا ينفك عنها.
التشريف الإلهي: مصر في القرآن الكريم
لقد كرم الله سبحانه وتعالى مصر بذكرها صراحةً في كتابه العزيز في خمسة مواضع، مما يعكس قدسية هذه الأرض وبركتها:
* في قصة يوسف والتمكين: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}.
* في نداء الأمان: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}.
* في قصة موسى والاستقرار: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا}.
* في وصف الملك والخيرات: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي}.
* في سياق الوفرة: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ}.
أعمدة الدور المصري في القضايا الإنسانية
* مركز الإشعاع الحضاري: كانت مصر المختبر الأول للبشرية في وضع أسس الإدارة، القانون، والطب، مما أرسى قواعد الاستقرار للمجتمعات الأولى.
* سلة غلال العالم: في سنوات القحط العظيم، كانت مصر هي طوق النجاة للبشرية من المجاعة تحت إدارة نبي الله يوسف عليه السلام.
* حاضنة الأديان والمقدسات: استقبلت خليل الله إبراهيم، وتربى في نيلها موسى كليم الله، واحتضنت “الرحلة المقدسة” للسيدة مريم والسيد المسيح، ثم غدت مأرزاً لآل بيت رسول الله ﷺ.
* رائدة السلام والدفاع: في العصر الحديث، وقفت مصر سداً منيعاً أمام محاولات طمس الهوية العربية، وكانت وما زالت الوسيط النزيه والداعم الأول لحقوق الشعوب المظلومة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
خاتمة: الوطن الذي يسكننا
ستبقى مصر دائماً هي الرقم الصعب في معادلة التاريخ، والواحة التي لا تنضب خيراتها مهما اشتدت الأزمات. إنها الأرض التي باركها الله من فوق سبع سماوات، وجعل أمنها مقروناً بمشيئته.
من مصر انطلق التاريخ، وعلى صخرتها انكسرت أطماع الغزاة، وفي رحابها سيبقى الضمير الإنساني حياً؛ فهي ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل هي وطنٌ يعيش فينا.. شامخة كأهراماتها، وباقية كجريان نيلها الخالد.
