بقلم : أحمد رشدي
ليست كل النهايات صاخبة، وليست كل الفراقات مشهودة بالدموع والعتاب. هناك علاقات تنتهي في صمت، دون إعلان، دون وداع، دون كلمة أخيرة تُغلق الباب برفق. تنتهي كما ينطفئ المصباح فجأة، فيبقى الظلام حائراً، ويبقى القلب معلقاً عند لحظة لم تكتمل.
العلاقات التي تنتهي دون وداع تترك في النفس فراغاً خاصاً، فراغاً لا يملؤه الغضب بقدر ما يملؤه السؤال. لماذا لم نتحدث؟ لماذا لم نحاول مرة أخيرة؟ لماذا تركنا المسافة تكبر حتى صارت هوة لا يُرى لها قرار؟
إن الوداع، مهما كان موجعاً، يحمل قدراً من الرحمة، لأنه يضع نقطة واضحة في نهاية السطر. أما الصمت المفاجئ، فيترك السطر مفتوحاً، وتبقى النفس تقرأه مراراً علّها تفهم.
علم النفس يفسر هذا الألم بما يُعرف بالحاجة إلى الإغلاق النفسي؛ فالإنسان بطبيعته يبحث عن تفسير، عن معنى، عن سبب يُسكن الحيرة. وحين تنتهي علاقة دون مواجهة أو توضيح، يبقى العقل في حالة استنزاف، يعيد تحليل الكلمات القديمة، ويُفتش في التفاصيل الصغيرة، ويحمّل نفسه أحياناً ما لا يحتمل.
المشاعر في هذا النوع من الفراق تكون مركبة؛ حنين بلا أمل، عتاب بلا مخاطب،
ذكريات تتردد في الذاكرة كأغنية قديمة نعرف لحنها ونخشى سماعها.
نتذكر الضحكات الأولى، والرسائل الطويلة، والمواقف التي كنا نظن أنها ستصمد أمام الزمن، ثم نكتشف أن بعض العلاقات لا تنتهي بخيانة كبرى أو خطأ جسيم، بل بتآكل بطيء، بصمت طويل، بإهمال غير مقصود، أو بكبرياء حال دون كلمة صريحة.
في الدين والأخلاق، دُعينا إلى الصراحة والإحسان حتى في الفراق. قال الله تعالى: “وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته”، وفي الآية إقرار بأن الفراق قد يكون قدراً، لكنه لا ينفي الكرامة ولا يُسقط الأدب. فالانفصال ليس عداءً بالضرورة، والرحيل لا ينبغي أن يكون جرحاً متعمداً.
الكلمة الطيبة حتى في النهاية تحفظ القلوب من قسوة لا لزوم لها، وتُبقي للذكريات نقاءها.
العلاقات التي تنتهي دون وداع تُعلمنا درساً عميقاً: أن التواصل مسؤولية، وأن الصمت أحياناً قرار مؤلم لا يقل أثراً عن الكلام القاسي. وتُعلمنا كذلك أن نُحسن الخروج كما نُحسن الدخول، وأن نمنح الآخر حق الفهم، كما نمنح أنفسنا حق الكرامة.
ليست كل علاقة خُلقت لتدوم، فبعضها جاء ليُعلّم، وبعضها ليكشف، وبعضها ليمنحنا لحظات جميلة ثم يمضي.
لكن الوداع الصادق يظل قيمة إنسانية رفيعة، لأنه اعتراف بأن ما كان بيننا لم يكن عابراً، وأنه يستحق كلمة أخيرة تليق به.
وحين ننضج، ندرك أن الألم لا يكمن في الرحيل ذاته، بل في الطريقة التي حدث بها.
وأن القلوب، مهما قويت، تحتاج إلى وضوح يُطفئ نار الأسئلة.
لذلك، لعل أعظم ما نتعلمه من تلك العلاقات الصامتة أن نكون أوضح، أصدق، أرحم في نهاياتنا، وأن نُدرك أن الكلمة التي لم تُقل قد تؤلم أكثر من ألف كلمة قيلت.
