بقلم د. نادي شلقامي
في أعماق التاريخ المصري، حيث بنى الأجداد حضارةً شامخةً كالأهرامات، كانت القيم الأخلاقية درعاً يحمي الوجدان الجماعي من عواصف الفوضى. أما اليوم، فإنَّ صناعة الوجدان تحولت إلى ساحة معركة خفية، حيث تتحول الدراما من أداة للتنوير وبناء الشخصية إلى سيفٍ مسموم يقطع أوصال السلم المجتمعي.
كأن الشاشة تحولت إلى نهر من السموم، يتدفق في شرايين الشباب، يغمر الأرض الخصبة للوطن بمياه عفنة تذيب جذور القيم الراسخة. إنَّ ما نشهده من محاكاةٍ غوغائية لأنماط الجريمة والانحلال السلوكي ليس مجرد “فن عابر”، بل هو اختراقٌ للنسيج الأخلاقي، يستوجب استنفاراً مؤسسياً شاملاً لصيانة العقل الجمعي المصري من الانحدار نحو فوضى “البطولة الزائفة” وقيم الشارع الهابطة.
فالدراما الهابطة تزرع بذور الفساد في أرواح الشباب، محولة الوجدان إلى أرض قاحلة لا تنبت إلا الضياع.
أولاً…تحليل لواقعة ميت عاصم – القليوبية
— انهيار المنظومة الردعية: لا يمكن قراءة واقعة “ميت عاصم” التي شهدت إهانة شاب وتجليسه بملابس نسائية تقليداً لمشهد درامي، إلا كونه “انهياراً للمنظومة الردعية” في خيال الشباب.
— تفاصيل الحادثة: وفقاً لتقارير أمنية حديثة، وقعت الحادثة في 13 فبراير 2026، حيث استدرجت مجموعة من 5 أشخاص شاباً يدعى إسلام (21 عاماً) بسبب علاقة عاطفية مع أخت أحدهم، أجبروه على ارتداء ‘بدلة رقص’ نسائية، ضربوه، حرقوه بالسجائر، وصوروه في الشارع أمام المارة، مما أثار غضباً واسعاً على وسائل التواصل.
— التأثير الدرامي: هذا التقليد يعكس تأثير مشاهد درامية كما وفي بعض المسلسلات حيث يتم تمجيد ‘الانتقام الشعبي’.
خطورة الواقعة: تكمن في:
1- استبدال القانون بالعرف الدرامي: حيث أصبح “المنتقم” في المسلسل هو المشرع والمنفذ.
2- سقوط هيبة الإنسان: تحول الإذلال إلى مادة للترفيه، مما ينذر بتوحش السلوكيات الجمعية. في هذا المشهد، يتحول الإنسان من كائن كريم إلى دمية في مسرح الظلام، حيث يرقص الإذلال على أنغام الضحك الجماعي، محولاً الشارع إلى ساحة إعدام معنوي.
ثانياً….الأدوار المؤسسية التكميلية (خطة العمل التنفيذية)
1- دور وزارة الداخلية (إنفاذ القانون وهيبة الدولة)
— الردع السريع: التعامل الحاسم مع الجرائم الناتجة عن التقليد الدرامي لترسيخ رسالة مفادها أن “الواقع تحكمه نصوص القانون لا سيناريوهات الخيال”.
— الأمن الوقائي المعلوماتي: رصد المجموعات التي تروج لثقافة “البلطجة الإلكترونية” وتتخذ من الشخصيات الدرامية شعاراً لها، مع إنشاء وحدة لملاحقة “تحديات التقليد الجرمي” عبر منصات التواصل (تيك توك وغيرها) والتعامل معها استباقياً.
— تعزيز الصورة الذهنية للرجل الشرطي: مواجهة الصورة المشوهة التي تظهرها بعض الأعمال للرجل القانوني لصالح “البطل الشعبي المنفلت” عبر إنتاج حملات ومقاطع توضح العقوبات الرادعة لجرائم الإذلال والتشهير.
2. دور علماء النفس والاجتماع (التشريح والتحصين)
— تشخيص “التوحد مع المعتدي”: دراسة الأسباب التي تدفع الشباب لتقليد الشخصية “السيكوباتية” (المجرمة) بدلاً من الشخصية السوية. بناءً على دراسة من جامعة القاهرة (2023)، يؤدي التعرض اليومي للعنف الدرامي إلى زيادة ‘التوحد مع المعتدي’ بنسبة 40% بين المراهقين، مما يتطلب برامج تأهيلية تشمل 10,000 شاب سنوياً. مستوحى من شعر أحمد شوقي في ‘نهج البردة’: ‘وإن الشاب يقلد ما يرى’، يجب دراسة كيف يتحول الشاب من متفرج إلى ممثل في مسرح الجريمة.
— هندسة السلوك: وضع برامج قومية لإعادة تأهيل المراهقين المتأثرين بالعنف الدرامي، وتدريب الأسر على كيفية “الفلترة” النفسية للمحتوى المعروض عبر عيادات إرشادية متخصصة.
— قياس الأثر: تقديم تقارير دورية لصناع القرار حول التحولات السلوكية في الشارع المصري الناتجة عن ضخ سموم الدراما الهابطة، مع إنشاء مرصد دائم للسلوك الجمعي.
ثالثاً…التكامل بين المؤسسات (الأزهر، الإعلام، والتعليم)
1- الأزهر وعلماء الدين: تقديم فقه “بناء الإنسان” ومواجهة التدني الأخلاقي بخطاب ديني يقدس الحياء ويحرم البغي والتشهير، والتركيز على “حرمة الجسد والكرامة” كقيمة عليا تُنتهك في مشاهد الإذلال الدرامية.
2- وزارة الإعلام والرقابة: تفعيل الرقابة “الوطنية” وليست “الفنية” فقط، ومنع تمويل الأعمال التي تهدم السلم المجتمعي. كما يجب إرساء “ميثاق الدراما والمسؤولية الوطنية” عبر تصنيفات عمرية صارمة (+18) ومنع عرض الأعمال العنيفة في ذروة المشاهدة العائلية، مع تقديم حوافز ضريبية للأعمال التي تبرز القدوات الإيجابية.
3- الجامعات والمدارس: تحويل المناهج إلى حصونٍ معرفية تحمي الطالب من الانقياد الأعمى للموضات السلوكية المنحرفة عبر إدراج مادة “التربية النقدية” لتعليم الطلاب كيفية نقد المحتوى الدرامي وعدم الانجراف وراء “البطل الزائف”.
–حقائق رقمية: تؤكد دراسات مركز دعم اتخاذ القرار أن الدراما تؤثر على 60% من القناعات الاجتماعية، مما يستدعي حملات إعلامية مشتركة لترسيخ قيم ‘الجمهورية الجديدة’.
— كما أظهرت دراسة في جامعة بنها (2025) أن الدراما تشكل وعي المجتمع بنسبة تصل إلى 50%، خاصة في فئات الشباب، مما يتطلب تدخلاً مشتركاً لتصحيح المسار.
سيادة الوعي فريضة وطنية
وختاماً، إنَّ المعركة التي تخوضها الدولة المصرية لبناء ‘الجمهورية الجديدة’ لن تكتمل ملامحها إلا بإعادة الاعتبار للقيم التي صنعت عظمة هذا الشعب. إننا لا نواجه مجرد مشاهد تمثيلية، بل نواجه محاولةً لتنميط القبح وتجميل الرذيلة.
إنها معركة الروح قبل الجسد، حيث يصارع الوعي المصري ليبقى شامخاً كالأهرامات، غير قابل للانهيار أمام عواصف الخيال الهابط.
إنَّ الرهان اليوم هو على استعادة ‘سيادة الوعي’؛ فالدول لا تسقط فقط بتهديد الحدود، بل تسقط حين يتساوى في عين شبابها المجرم بالبطل، والبلطجي بالقدوة. كما يقول الشاعر: ‘يا مصر، أنتِ الأم الرؤوم، فلا تدعي أبناءك يغرقون في بحر الوهم’، إنَّ حماية الوجدان المصري هي ‘فرض عين’ على كل مؤسسات الدولة، لنعبر بهذا الجيل من ظلمات المحاكاة العمياء إلى نور الاستنارة والانضباط، محافظين على هويتنا الخالدة أمام كل محاولات الاغتيال الثقافي.
