بقلم د.نادي شلقامي
— تراتيل الحنين.. وزفرات الجحود
على أرصفة الموانئ وقاعات المطارات، يُكتب سفر التغريب المصري بمداد من عرق ودموع، هناك حيث يسافر الجسد ويبقى القلب معلقاً بأطراف النيل. لم تكن الغربة يوماً اختياراً للرفاهية، بل كانت “جهاداً اضطرارياً” لرفع راية البيت والوطن. غير أن هذا المغترب الذي لم يبخل يوماً بصوتٍ في صندوق، أو بتحويلٍ يسند اقتصاداً، يجد نفسه اليوم عالقاً في مقصلة التقدير؛ فبين مطرقة تشريعات لا تراه إلا “رقماً” في موازنة، وسندان ألسنةٍ نيابية تجلد كفاحه بوصمة “الترف”، تترنح ثقته في “عقد الوفاء” الذي وقّعه مع الوطن بدم الغربة. إنها جدلية “المواطنة المشروطة” التي باتت تهدد أقدس الروابط بين المهاجر ومستقره.”
— أركان الأزمة: عناصر المواجهة وتحليل الأثر
1- المبادرات الرسمية..
(رعاية” بصبغة “استثمارية)
— الواقع : توالي القرارات التي تربط حصول المغترب على حقوقه (مثل استيراد سيارة، أو تسوية التجنيد، أو تملك الأراضي) بضخ مبالغ دولارية فورية، كما في مبادرات استيراد السيارات التي تتطلب وديعة دولارية كبيرة (تُرد بعد 5 سنوات) أو رسوم جمركية مرتفعة على الأجهزة الشخصية مثل الهواتف المحمولة (التي أُنهي الإعفاء الاستثنائي عنها في يناير 2026).
— الأثر السلبي : تحويل علاقة المواطن بدولته إلى “علاقة تعاقدية مادية”، مما يرسخ شعور “التشييء” لدى المغترب؛ حيث يشعر أن قيمته الوطنية تنتهي عند حدود رصيده المصرفي، رغم أن تحويلاتهم بلغت نحو 37.5 مليار دولار في أول 11 شهراً من 2025 (بزيادة 42.5% عن الفترة المماثلة السابقة، وفق البنك المركزي المصري)، وهي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد.
2- الخطاب النيابي…
(سهام تحت قبة التشريع)
— الواقع : خروج تصريحات لمسؤولين ونواب تطالب باقتطاع جزء من رواتب المغتربين (كمقترحات سابقة من نواب مثل بهاء أبو شقة وأحمد عاشور)، أو تلمز في وطنيتهم إذا ما اعترضوا على الرسوم الجديدة (كرسوم الخارجية أو الجمارك على الأجهزة الشخصية التي أثارت جدلاً واسعاً في 2025-2026).
–الأثر السلبي : إحداث “شرخ عاطفي” عميق؛ فالمغترب يرى في البرلمان حصنه الذي يدافع عن حقوقه، وحين يتحول الحصن إلى مصدر للتهديد أو النقد الشعبوي، يولد لديه شعور بالخذلان والطعن في الظهر من “أهل الدار”.
3- المشاركة السياسية..
,(ولاء يُقابل بـ “تجاهل)
–الواقع : الإقبال التاريخي للمصريين بالخارج في الانتخابات (كما في انتخابات مجلس النواب 2025، حيث سجلت دول مثل الكويت والسعودية أعلى نسب مشاركة بين اللجان الخارجية)، كظهير سياسي قوي للدولة في المحافل الدولية.
— الأثر السلبي : الشعور بـ “الاستغلال السياسي”؛ حيث يشعر المغترب أن صوته مطلوب كـ “ديكور شرعي” في العرس الانتخابي، لكن رأيه واحتياجاته غير ممثلة في “طبخة” القرار الاقتصادي أو الاجتماعي التي تلي الانتخابات.
4 -الهوية الممزقة..
(صراع الأجيال )
— الواقع: الضغط المادي والمعنوي المستمر يجعل المغترب يتردد في غرس الانتماء لدى أبنائه (الجيل الثاني والثالث).
–الأثر السلبي : “انقطاع الحبل السري” مع الوطن؛ فإذا رأى الابن والده يعامل كـ “جهاز صراف آلي” في وطنه، سيفضل الاندماج الكامل في مجتمع المهجر، مما يفقد مصر قوتها الناعمة في المستقبل.
وختاما….صرخة قبل الفراق الكبير
إن الانتماء ليس نهراً يتدفق من طرف واحد، بل هو شريان حياة يغذيه الاحترام المتبادل والحماية المشتركة. إن المراهنة على “خزان الوطنية” لدى المصري بالخارج دون رفده بتقديرٍ حقيقي وسياساتٍ حاضنة، هي مراهنة على سراب؛ فالوطن الذي يطلبه أبناؤه في “الملمات” لا يجوز أن يطالبهم في “الرخاء” بما لا يطيقون، أو يتركهم نهباً لألسنةٍ لا تدرك مرارة الاغتراب. إننا اليوم أمام مفترق طرق: فإما أن نعيد للمغترب هيبته كـ “شريك مصير” يُصان عِرقه ويُحترم صوته، وإما أن نحوله إلى “عابر سبيل” في سجلات الوطن. فليعلم الجميع أن التحويلات المالية قد تنضب بفعل الأزمات، لكن “الانتماء” إذا انكسر، فلا تجبره كل أموال الأرض. ارفقوا بالطيور المهاجرة، كي لا تنسى يوماً طريق العودة.
