بقلم /دارين محمود عوض
يطل علينا شهر رمضان المبارك كلوحة فريدة، لا تكتمل ألوانها إلا بمزيج متقن بين سكينتين: سكينة الروح وهي تترنم بآيات الذكر في محاريب العبادة، وسكينة النفس وهي تأنس بدفء العادات في تفاصيل الحياة اليومية. إنه الشهر الذي تذوب فيه الفوارق بين ما هو “مقدس” وما هو “مألوف”، ليصاغ من الاثنين عقد فريد من السعادة البشرية.
وفي حضرة الروح: سعادة العبادة
تبدأ الرحلة من الداخل، حيث تنزوي النفس عن ضجيج المادة لتنغمس في “سعادة العبادة”. تلك السعادة التي لا تُشترى بالمال، بل تُنال بالدمعة الخاشعة والوقوف الطويل بين يدي الله. في رمضان، يتحول الجوع من “حرمان” إلى “تحرر”، ومن “فراغ للمعدة” إلى “امتلاء للقلب”. إنها لحظات “الخلوة مع الحق” وسط “جلوة الخلق”، حيث يجد المؤمن نفسه في حالة من الصفاء الذهني والسمو الروحي، يشعر معها أن الأرض لم تعد قيده، وأن السماء باتت وجهته. هذه السعادة تتسم بالديمومة؛ فهي تترك خلفها أثراً لا يمحوه رحيل الشهر، بل يظل كعطرٍ يعبق في ثنايا الروح طوال العام.
في رحاب الألفة: فرحة العادة
وعلى الضفة الأخرى، تتجلى “فرحة العادة” كعنصر اجتماعي وجمالي يمنح رمضان لونه وطعمه الخاص. هي فرحة تجتمع في رائحة “البخور” التي تعطر البيوت، وفي “لمة العائلة” حول مائدة واحدة كُسرت عليها حواجز الانشغال اليومي. إن العادات الرمضانية، من تزيين الشوارع إلى تبادل “الغبقات” والزيارات، ليست مجرد طقوس مكررة، بل هي “لغة تواصل” تعيد ترميم ما أفسدته الحداثة من علاقات إنسانية. هي الفرحة التي نراها في عيون الأطفال وهم يمسكون بفوانيسهم، وفي تباشير الوجوه وهي تتبادل التبريكات. إنها فرحة “المظهر” الذي يدعم “الجوهر”، ويجعل من الشهر احتفالية حياة لا مجرد أداء لواجب.
بين هذا وذاك: تكامل لا تضاد
إن الخط الفاصل بين العبادة والعادة في رمضان هو خيط حريري ناعم، فالمسلم الذكي هو من يحيل “عاداته” إلى “عبادات”؛ فيجعل من إفطار صائم قربة، ومن صلة الرحم منسكاً، ومن تبسمه في وجه جاره صدقة. رمضان ليس صراعاً بين الروح والمادة، بل هو تصالح بينهما؛ فالروح تصفو بالصلاة، والجسد يبتهج بالمودة، ليخرج الإنسان من هذا الشهر وقد تجددت روحه وانصقلت نفسه.
في الختام، يظل رمضان هو تلك المساحة الزمنية التي تمنحنا فرصة العيش بمثالية الروح وواقعية الجسد. فبينما تأخذنا العبادات إلى سدرة المنتهى، تعيدنا العادات إلى دفء الأرض والناس، ليظل رمضان دائماً هو “الميقات” الذي تتوحد فيه طمأنينة المحراب مع بهجة الدار.
