بقلم : أحمد رشدي
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتشتد فيه المنافسة، أصبح الاعتذار عملة نادرة،
وكأن الاعتراف بالخطأ انتقاص من الكرامة أو اهتزاز في المكانة.
غير أن الحقيقة الثابتة، نفسيًا وأخلاقيًا ودينيًا، أن الاعتذار الصريح ليس ضعفًا، بل شجاعة نادرة، وأن الاعتراف بالخطأ قوة داخلية لا يمتلكها إلا من تصالح مع نفسه وامتلك وعيًا ناضجًا بذاته.
لماذا لا نعتذر إذا أخطأنا؟ سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره. يجيب علم النفس بأن الإنسان بطبيعته يميل إلى حماية صورته أمام الآخرين، ويخشى أن يُنظر إليه باعتباره مخطئًا أو مقصرًا، فيلجأ إلى آليات دفاعية مثل التبرير أو الإنكار أو تحميل المسؤولية للغير. فيستبدل كلمة “آسف” بعبارات ملتوية من قبيل “لم أقصد”، أو “حدث سوء فهم”، أو “أنت فهمتني خطأ”، في محاولة للالتفاف حول الحقيقة دون مواجهتها.
غير أن الاعتذار الحقيقي لا يعرف المواربة. الاعتذار موقف أخلاقي قبل أن يكون عبارة لغوية. هو اعتراف صريح بالخطأ، وتحمل واضح للمسؤولية، ورغبة صادقة في الإصلاح. الاعتذار الصادق يعيد التوازن للعلاقات، ويُطفئ نار الخصومة قبل أن تستعر، ويمنح الطرف الآخر شعورًا بالاحترام والتقدير.
المجتمعات التي تُشيع ثقافة الاعتذار مجتمعات أكثر استقرارًا ونضجًا. في الأسرة، حين يعتذر الأب لابنه عن قسوة زائدة، أو تعتذر الأم عن انفعال غير مبرر، يتعلم الأبناء أن الخطأ وارد، وأن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن الكرامة لا تنقص بالاعتذار بل تزداد.
في بيئة العمل، المدير الذي يقر بخطأ في قرار ما يرسخ ثقافة الشفافية ويعزز الثقة، ويحول المؤسسة إلى بيئة إنسانية صحية، لا إلى ساحة دفاع دائم عن المواقف.
وقد جعل الدين الإسلامي الاعتراف بالخطأ بابًا للتوبة والإصلاح، وربط بين الشجاعة والرجوع إلى الحق. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل”. وفي السنة النبوية دعوة صريحة إلى إصلاح ذات البين ورد المظالم.
فالاعتذار ليس مجرد أدب اجتماعي، بل قيمة إيمانية تُطهّر القلب من الكبر، وتُزكي النفس من العناد.
الاعتذار شجاعة، لأن فيه مواجهة للنفس قبل مواجهة الآخر. والاعتراف قوة، لأنه يدل على ثبات داخلي لا يخشى النقد. وقول الحق فضيلة، لأنه يضع الإنسان في موضع النزاهة والصدق، ولو كان الثمن اعترافًا بالخطأ.
أما الإصرار على التبرير، فهو استنزاف طويل للعلاقات، يراكم الجفاء ويزرع الشك، ويجعل القلوب تتباعد بصمت.
فكم من خصومة طويلة كان يمكن أن تنتهي بكلمة صادقة؟ وكم من علاقة انكسرت لأن أحد الطرفين أصرّ على حفظ ماء وجهه، فضاع الوجه وضاعت العلاقة معًا؟ الاعتذار لا يُسقط الهيبة، بل يمنحها معنى أعمق.
إنه رسالة تقول: “أنا أقدّرك بما يكفي لأتحمل خطئي أمامك”.
إننا بحاجة إلى إعادة بناء ثقافة الاعتذار في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا، وأن نُربي أبناءنا على أن الخطأ ليس عيبًا، لكن الإصرار عليه هو العيب. وأن الكلمة الصادقة، مهما بدت صغيرة، قد تُعيد بناء جسر كاد أن ينهار.
فحين نمتلك شجاعة الاعتراف، نمتلك في الحقيقة أعظم مظاهر القوة الإنسانية، ونرتقي بأنفسنا ومجتمعنا إلى مستوى أسمى من النضج والصدق والاحترام.
