كتبت ـ مها سمير
لم يكن اغتيال القيادي العسكري البارز في حزب الله عماد مغنية في قلب العاصمة السورية دمشق عام 2008 مجرد عملية أمنية عابرة، بل شكّل واحدة من أكثر محطات الصراع الاستخباراتي تعقيدًا في الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين. العملية التي نُفذت بتفجير عبوة ناسفة دقيقة، وأحاطتها تكتمات واسعة، أعادت فتح ملفات قديمة تتعلق بشبكات النفوذ الإقليمي والتنسيق الاستخباراتي بين قوى دولية.
منذ لحظة اغتياله، توالت التقارير في وسائل إعلام دولية كبرى تحدثت عن تنسيق أمني عالي المستوى بين أجهزة استخبارات غربية وإسرائيلية، وعن اختراق أمني استثنائي طاول شخصية لطالما وُصفت بـ”الشبح”، نظرًا لقدرته على الإفلات من الملاحقة لسنوات طويلة، رغم اتهامه بالضلوع في عمليات استهدفت مصالح غربية وإسرائيلية منذ ثمانينات القرن الماضي.
لكن استهداف مغنية لم يبدأ في 2008. فقد أقر مسؤولون إسرائيليون سابقون، بينهم رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك، بأن اسمه كان على طاولة القرار منذ مطلع الألفية، وأن فرصًا لاغتياله أتيحت في وقت مبكر، غير أن القيادة السياسية آنذاك فضّلت عدم التنفيذ. هذا المعطى يطرح سؤالًا محوريًا: ما الذي تغيّر لاحقًا ليصبح القرار ملحًا وغير قابل للتأجيل؟
الإجابة المحتملة ترتبط بتطور استراتيجي كبير سبق الاغتيال بعام واحد فقط، وهو قصف المفاعل النووي السوري في دير الزور في سبتمبر 2007، في عملية عسكرية إسرائيلية سرّية آنذاك كُشف عنها لاحقًا. العملية، التي اعتُبرت ضربة استباقية ضد برنامج نووي سوري قيد الإنشاء، أعادت رسم معادلات الردع في المنطقة ورفعت مستوى التوتر الأمني بين الأطراف المعنية.
في كتابه الصادر عام 2019 بعنوان “ضربة الظل”، يشير الصحافي الإسرائيلي يعقوب كاتس إلى أن اغتيال مغنية لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي أعقب تدمير المفاعل. ووفق الطرح الوارد في الكتاب، فإن التحولات الأمنية التي تلت قصف دير الزور ربما جعلت بعض الشخصيات الإقليمية، وفي مقدمتها مغنية، في موقع أكثر حساسية ضمن الحسابات الإسرائيلية، سواء لارتباطها بشبكات دعم إقليمية أو لدورها في ملفات عسكرية واستخباراتية معقدة.
ورغم عدم وجود إعلان رسمي يربط بين الحدثين، فإن تقاطع التوقيتات يعزز من فرضية أن البيئة الإقليمية بعد 2007 كانت مختلفة تمامًا عمّا قبلها، وأن أولويات الاستهداف أعيد ترتيبها في ضوء معطيات استراتيجية جديدة.
