بقلم السيد عيد
انا المجرم… نعم، لا تتعجب. أنا المجرم الذي لم يرتكب جريمة، ولم يسرق رغيفًا من فرن الحياة، ولم يختلس حتى لحظة سعادة زائدة عن المسموح به في لائحة الكون.
لكنني رغم كل ذلك وجدت اسمي بخط عريض في محاضر الوجود: متهم… يتحفظ عليه لحين إشعار آخر.
جريمتي؟ إن جئت تُفتّش فلن تجد سكينًا، ولا بصمات على نافذة مكسورة، ولن تعثر حتى على نية خبيثة، فأنا آخر من يعرف النوايا أصلًا؛ نواياي تسبقني للنيابة قبل أن أستجمع شجاعتي وأقرر ماذا كنت أقصد.
لكن يبدو أن مجرد التفكير أصبح جريمة، والسؤال صار جنحة، والدهشة مخالفة يعاقَب عليها القانون بروتين مُمل، ونظرة الاستغراب تُسجَّل في المحضر كـ “شبهة مقاومة للتعوّد”
أُتَّهم لأنني سألت:
لماذا تُصنَع المفاتيح إذا كانت الأبواب مغلقة بحراس لا يعرفون لمن ينتمون؟
ولماذا يوزَّع الهواء بالعدل على الجميع بينما تختلف الأرواح في طرق استخدامه؟
ولماذا نعيش بوجوهنا ولا نستخدمها إلا في بطاقة الهوية؟
قالوا: أسئلتك مشبوهة… وملامحك توحي بالتمرد.
قلت: أنا فقط حيٌّ أكثر من اللازم.قالوا: وهذه أخطر جريمة يا سيدنا.
أنا المجرم الذي لم يجد مكانه بين الصفوف، لأن الكرسي الذي أعطي لي كان قصيرًا على قدري، والصف كان أطول من صبري.
أنا المجرم الذي ضبطوه متلبسًا بمحاولة استخدام عقله في غير محله.
أنا المجرم الذي قال الحقيقة مرة، فظنّوه يهذي.
ولما صمت، اتهموه بأنه يُخفي شيئًا.
يا سادة، أنا المجرم الذي إذا ابتسم قالوا: “بيكيد”.
وإذا عبس قالوا: “بينضج الشر جواه”.
وإذا فكر، سُجِّلت ضده قضية “تفكير بدون رخصة
تعلمت أخيرًا أن أمارس جريمتي في العلن.
أن أمشي رافع الرأس حتى لو ناداني العالم: يا مجرم
أن أرتكب جريمة السؤال وأهرب.
أن أمارس جريمة الحلم دون أن أطلب إذنًا من أحد.
أن أتعامل مع الحياة كمخبر غاضب يراقبني من خلف زجاج معتم، فأغيظه بابتسامة
وفي النهاية…
إذا كان التفكير جريمة، فدعوني أختم محضري باعتراف واضح: أنا المجرم… المصرّ على ألا يتحول إلى جهاز منزلي يعمل بالكهرباء والتوجيهات.
أنا المجرم الذي لا يريد أن يكون نسخة طبق الأصل من أحد.
أنا المجرم الذي لا يزال يحتفظ بروحه، رغم كل محاولات المصادرة.
وهذه والله أعلم أخطر الجرائم.
