بقلم د.نادي شلقامي
لم تكن صرخة “اقرأ” التي هزت جدران غار حراء مجرد أمر إلهي جاء به الأمين جبريل عليه السلام علي قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل كانت “إعلان مبادئ” لميلاد أمة لن تعترف بغير العقل قائداً. اليوم، وبينما يحتفل العالم غدا في الرابع والعشرين من يناير باليوم العالمي للتعليم، ندرك أن المعركة لم تعد على الأرض أو الثروات، بل هي معركة “المعامل” و”الخوارزميات”. في هذا التقرير، نسلط الضوء على قدسية العلم التي بدأت بآية، وكيف تحولت في مصر والإمارات إلى استراتيجيات عابرة للقارات، تعيد للعربي هيبته وسط سباق الأمم نحو المجهول.
أولاً…. ميثاق السماء.. العلم فريضة لا نافلة
لقد قدّس الإسلام العلم تقديساً لم تعرفه الحضارات من قبل؛ فجعل مداد العلماء يوازي دماء الشهداء.
في المحكم الإلهي: يضع القرآن الكريم فاصلاً حاسماً بين من يعلم ومن لا يعلم في قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، مؤكداً أن العلم هو شرط الرفعة والمكانة.
في الهدي النبوي: لم يكتفِ النبي ﷺ بالدعوة للعلم، بل جعلله طريقاً وحيداً للجنة، وميراثاً لا ينقطع، ليرسخ في وجدان الأمة أن “الأميّة” هي العدو الأول للحق والعدل حين قال صلي الله عليه وسلم (“من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة”)
ثانياً….هندسة بناء الإنسان.. فوائد العلم في دوائره الثلاث
العلم ليس رفاهية فكرية، بل هو “درع وسيف” وعملية إعادة صياغة كاملة للكيان الإنساني والاجتماعي:
1- على مستوى الفرد (بناء الشخصية والتمكين):
— التحرر الفكري: يحرر العقل من قيود الخرافة والتبعية، ويمنحه القدرة على النقد والتحليل.
— رفع القيمة والمكانة: هو السلم الاجتماعي الأسرع؛ يحسن المستوى المعيشي ويفتح آفاقاً وظيفية مرموقة.
— الثقة والاتزان: يمنح صاحبه ثقة نابعة من المعرفة، مما يحميه من الانقياد وراء الأفكار المتطرفة.
2- على مستوى الأسرة (نواة المجتمع المستقرة):
— التربية الواعية: يمتلك الوالدان المتعلمان الأدوات التربوية والنفسية لتنشئة جيل سوي بعيداً عن العنف.
— الوعي الصحي: يعني تغذية أفضل ورعاية وقائية أدق، مما يقلل نسب الأمراض والوفيات.
— الاستقرار الاقتصادي: يساعد على إدارة الموارد المالية بذكاء ويحمي من فخاخ الديون.
3- على مستوى الأمة (السيادة والريادة):
— الاستقلال والسيادة: يحقق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والسلاح؛ فالأمة المتعلمة لا تمد يدها للآخرين.
— الاقتصاد المعرفي: يحول اقتصاد الأمة من “ريعي” يعتمد على الموارد إلى “ابتكاري” يعتمد على العقول والبرمجيات.
— القوة الناعمة والتماسك: يرفع اسم الوطن في المحافل الدولية، ويقلص الفوارق الطبقية ونسب الجريمة والبطالة.
ثالثاً…. النماذج الرائدة.. عندما تتحول الرؤية إلى واقع (2025/2026)
1- مصر: رقمنة التاريخ واقتحام المستقبل
تخوض الدولة المصرية ثورة هادئة في التعليم والبحث العلمي، تظهر نتائجها بوضوح في مؤشرات العام الحالي:
— الصدارة الأفريقية: احتلت مصر المرتبة الأولى أفريقياً في النشر الدولي للأبحاث العلمية، مع طفرة في مجالات النانو تكنولوجي والطاقة الخضراء.
— الجامعات الذكية: شهد عام 2025 تواجد 28 جامعة مصرية في تصنيف “تايمز” العالمي، مع توسع مذهل في الجامعات الأهلية التي تربط المناهج بسوق العمل العالمي.
— بنك المعرفة: الذي تحول إلى مصدر المعرفة الأول لملايين الباحثين، موفراً أحدث الدوريات العلمية مجاناً لكل مواطن مصري.
2- الإمارات.. من “مسبار الأمل” إلى سيادة الذكاء الاصطناعي
قدمت الإمارات للعالم نموذجاً في “استشراف المستقبل”، حيث لم يعد العلم لديها خياراً بل هو “رهان الوجود”:
— نخبة الجامعات: استطاعت جامعات كـ “خليفة” و”محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي” حجز مقاعدها ضمن أفضل 300 جامعة عالمياً، محققة ريادة في علوم الفضاء والطاقة المتجددة.
— اقتصاد المعرفة: تخصص الإمارات ما يقرب من 20% من ميزانيتها الاتحادية للتعليم، لتصبح المركز الإقليمي الأول في “مؤشر الابتكار العالمي”.
— استدامة العقول: من خلال استراتيجية “نحن الإمارات 2031″، تقود الدولة تحولاً جذرياً ليكون التعليم هو المحرك الرئيسي لمرحلة ما بعد النفط.
وختاما…..الفجر الذي لا يغيب
إن اليوم العالمي للتعليم ليس مجرد مناسبة للخطابات، بل هو “جرد حساب” للمستقبل. إن التجربتين المصرية والإماراتية تبرهنان على أننا نمتلك الجينات الحضارية للعودة للصدارة. فإذا كان الماضي قد كُتب بـ “ريشة” العلماء العرب، فإن المستقبل يُبنى اليوم بـ “عقول” شبابنا في المختبرات والجامعات. العلم هو الصلاة التي لا تنقطع، والوطن الذي لا يُهزم. إن الاستثمار في “العقل العربي” هو الاستثمار الأضمن ربحاً؛ فبينما تبني المعاول المدن، تبني العقول الحضارات.
