بقلم : أحمد رشدى
الحرية قيمة إنسانية سامية، بها يعلو شأن الفرد، وتنهض المجتمعات، وتُصان الكرامة الإنسانية. غير أن أخطر ما يهدد هذه القيمة النبيلة هو الخلط بينها وبين الفوضى، حين تُنزَع عنها ضوابطها الأخلاقية، وتُفرَّغ من معناها المسؤول، فتتحول من حق مشروع إلى عبء يثقل كاهل المجتمع بدل أن يحرره.
فالحرية ليست انفلاتًا، وليست فعلًا بلا حساب، وليست صوتًا مرتفعًا يعلو فوق صوت العقل. إنها في جوهرها وعي بالحدود قبل المطالبة بالحقوق، وإدراك بأن حرية الفرد تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين.
وحين يغيب هذا الإدراك، تتحول الساحات العامة إلى مساحات صراع، وتُستباح القيم باسم التعبير، وتُبرَّر التجاوزات بحجة الرأي المختلف.
وحين تختلط الحرية بالفوضى، نرى التعدي على الذوق العام وكأنه حق مكتسب، ونسمع الإساءة وكأنها شجاعة، ونشاهد العبث بالقانون باعتباره تمردًا محمودًا. ويصبح النظام قيدًا في نظر البعض، بينما هو في حقيقته الضامن الأول لاستمرار الحرية ذاتها.
وليس من الحرية في شيء أن تُزعج من حولك بصوت تلفاز مرتفع، أو موسيقى صاخبة، أو حديث عالٍ يخترق سكينة الآخرين وراحتهم، فهذه ليست ممارسة حق، بل اعتداء سلوكي صريح على حق غيرك في الهدوء والخصوصية. وليس من الحرية أن تُصوِّر زميلك أو غيره دون علمه أو إذنه، تحت لافتة الدعابة أو المزاح، لأن ذلك في حقيقته انتهاك مباشر لحريته وكرامته وخصوصيته. وتندرج تحت هذا المعنى صور كثيرة من الاعتداء السلوكي اليومي على حرية الآخرين، تُمارَس بلا وعي، وتُبرَّر بلا خجل، وتُكرر بلا إحساس بالمسؤولية.
ولا تقوم الحرية الحقيقية إلا على أساس أخلاقي متين،
فبدون الأخلاق تفقد الحرية معناها، وبدون المسؤولية تتحول إلى أداة هدم لا بناء.
إن المجتمعات التي نجحت في ترسيخ الحريات لم تفعل ذلك بإلغاء القواعد، بل باحترامها، ولم تُعلي شأن الفرد على حساب الجماعة، بل وازنت بين الاثنين بحكمة وعدل.
والخطير في الأمر أن الفوضى حين تُغلَّف بثوب الحرية، تصبح أكثر قبولًا، وأكثر قدرة على الانتشار، لأن الناس بطبعهم يميلون إلى ما يبدو تحررًا، ولو كان في جوهره تفلتًا.
وهنا تكمن الحاجة الملحة إلى وعي مجتمعي يميز بين الحرية التي تُنضج الإنسان، والفوضى التي تُفرغه من قيمه.
إن الدفاع عن الحرية لا يكون بتبرير الخطأ، ولا بتجميل الفوضى، بل بإحياء الضمير، وتعزيز الثقافة، وترسيخ احترام القانون باعتباره شريكًا للحرية لا خصمًا لها. فالحرية التي لا يحرسها وعي، ولا تضبطها أخلاق، سرعان ما تنقلب على أصحابها.
وفي زمن تتسارع فيه الأصوات، وتختلط فيه المفاهيم، يبقى الرهان الحقيقي على إنسان يعرف أن حريته مسؤولية، وأن النظام ليس عدوًا للحرية، بل صمام أمانها. فحين نفهم الحرية على حقيقتها، نحميها من الفوضى، ونحمي المجتمع من نفسه.
