بقلم د.نادي شلقامي
تمر اليوم ذكرى رحيل رجلٍ لم يكن ككل الرجال، مَلِكٍ صاغ بكلماته ومواقفه درعاً حامياً للكنانة، فكان هو “الحكيم” وقت الفتنة، و”السند” وقت المحنة. ففي مثل هذه الأيام، توقفت نبضات قلبٍ كان يتسع لكل العرب، ورحل عن عالمنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، تاركاً وراءه إرثاً من الكرامة لا يمحوه الزمن. إننا اليوم لا نحيي ذكرى رحيل ملك فحسب، بل نستذكر رحيل القائد الذي كان لمصر “جداراً صلباً” في مهب الريح، والحكيم الذي أثبت بفعله قبل قوله أن المصير المصري السعودي هو قدرٌ واحد، لا تزيده الأزمات إلا رسوخاً.
أولاً… باني نهضة المملكة العربية السعودية الحديثة
لم يكن عهد الملك عبد الله مجرد سنوات حكم، بل كان “ورشة عمل” كبرى غيرت وجه المملكة:
— عصر الجامعات: أسس عشرات الجامعات في وقت قياسي لضمان وصول التعليم لكل مواطن، وأطلق برنامج الابتعاث الخارجي الأضخم.
— المدن الاقتصادية: وضع حجر الأساس لمستقبل ما بعد النفط بمدن ذكية وصناعية عملاقة.
— توسعة الحرمين: قاد أكبر مشروع إعمار وتوسعة في تاريخ المسجد الحرام والمسجد النبوي لخدمة ضيوف الرحمن.
— تمكين المجتمع: خطى خطوات سبّاقة في تطوير القضاء وإشراك المرأة في مجلس الشورى والمجالات التنموية.
ثانياً…مواقف “الحق” والوفاء تجاه مصر
1- ثورة يناير 2011 (حارس الاستقرار):
في الوقت الذي ارتبك فيه العالم، وقف الملك عبد الله كالجبل، وأكد أن أمن مصر من أمن السعودية، ورفض أي ضغوط دولية قد تؤدي لتفكك الدولة المصرية، محذراً من المساس باستقرار الكنانة.
2- ثورة يونيو 2013 و2014 (سيف العروبة):
عندما حاول البعض محاصرة مصر سياسياً، ألقى الملك خطابه التاريخي الشهير الذي هز الأوساط الدولية، معلناً صراحة الوقوف مع مصر ضد “الإرهاب والضلال والفتنة”، ومؤكداً أن السعودية شعباً وحكومة تقف مع شقيقتها مصر بكل ثقلها.
3- الدعم المادي والنفطي (شريان الحياة):
أمر الملك بفتح خزائن المملكة لدعم الاقتصاد المصري، من خلال منح مالية لاترد وتوريد شحنات بترولية ضخمة لضمان عدم توقف عجلة الحياة، مما منع وقوع كارثة اقتصادية كانت وشيكة.
4- زيارة الطائرة (رسالة العز):
رغم مرضه الشديد قبل رحيله، أصر على الهبوط بمطار القاهرة في يونيو 2014، واستقبل الرئيس السيسي داخل “الطائرة الملكية”، لتكون أقوى رسالة دعم سياسي وشرعي لمصر أمام العالم أجمع.
5- المبادرة بمؤتمر “مانحي مصر”:
هو صاحب الفكرة والمبادرة بالدعوة لعقد مؤتمر دولي لمساعدة الاقتصاد المصري على التعافي، وهو ما تحول لاحقاً إلى مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الكبير.
ثالثاً… “فقيد مصر”.. ماذا قال الرئيس السيسي في رثائه؟
لم يكن رثاء الدولة المصرية للملك عبد الله مجرد بروتوكول، بل كان تعبيراً عن خسارة شخصية وقومية كبرى، حيث قال عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي:
— وصفه بالحكيم: نعاه الرئيس السيسي قائلاً: “فقدت الأمة العربية والأمة الإسلامية اليوم زعيماً من أعظم رجالها، وقائداً حكيماً وهب حياته لخدمة أمتيه العربية والإسلامية.”
— بطل المواقف التاريخية: أكد الرئيس السيسي في كلمته أن “الشعب المصري لن ينسى للمغفور له الملك عبد الله بن عبد العزيز مواقفه التاريخية والمشرفة تجاه مصر وشعبها.”
— الحداد الرسمي: أمر الرئيس السيسي بإعلان حالة الحداد العام في جمهورية مصر العربية لمدة سبعة أيام، تقديراً لمكانة الفقيد الكبيرة.
رابعاً… فلسفة الملك تجاه مصر
كان يؤمن (رحمه الله) بمبدأ راسخ: “إن مصر لا تصغر، وإن كبت فهي قادرة على النهوض”، وكان يرى أن استقرار المنطقة بأسرها مرهون بقوة ومكانة مصر.
وختاما…فإنَّ التاريخ لا يكتبه إلا العظام، والملك عبد الله بن عبد العزيز قد خطَّ بمداد من النور صفحةً لن تُطوى في سجل الأخوة والمجد. لم يكن مجرد حليفٍ لمصر، بل كان صمام أمانها، وسيفها في وجه المعتدي، وقلبها الذي يخفق في الرياض. إنَّ ذكرى رحيله ليست وقفة بكاء على الأطلال، بل هي إحياء لقيم الشهامة التي جسدها بوقفته التاريخية حين قال “لا” في وجه من أرادوا كسر إرادة الكنانة. ستبقى كلماتك يا خادم الحرمين ميثاقاً غليظاً يربط بين الشعبين، وسيبقى اسمك محفوراً في وجدان كل مصري كفارسٍ لم يترجل إلا بعد أن عبر بمصر والعروبة إلى شاطئ النجاة. رحم الله حكيم العرب، وجعل الجنة مستقره، وجزاه عن مصر أوفى الجزاء.. فمصر يا “أبا متعب” تحفظ العهد، ولا تنسى الرجال.
