بقلم د.نادي شلقامي
— في رحاب السمو الإنساني
في تاريخ الأمم، تُكتب الدساتير بمداد القوانين لضبط حركة الأبدان، لكننا اليوم، وفي لحظة صدقٍ مع الذات، نكتب دستوراً بمداد الأرواح لضبط حركة القلوب. إن “الحب” الذي ننشده ليس انفعالاً عابراً أو مجرد عاطفة غضة، بل هو الركن الركين الذي تقوم عليه صروح المجتمعات العظيمة. إنه الميثاق الغليظ الذي يحول القيد حريّة، والواجب رغبة، والكدّ سعادة. إننا نعلن اليوم “سيادة الحب” كمنهج حياة، ودستوراً أخلاقياً يعيد ترتيب الفوضى في نفوسنا وفي عالمنا، من أضيق الزوايا في بيوتنا إلى أوسع الميادين في أوطاننا.
أبواب الدستور: تجليات المحبة في مفاصل الحياة
أولاً… باب الجوهر.. (حب الذات)
— يؤكد خبراء النفس والاجتماع المعاصرين أن الحب يبدأ من الداخل؛ فحب الذات ليس أنانية، بل هو “نقطة الارتكاز” في دستورنا. إن تصالح المرء مع نفسه، وتقديره لكيانه، وقبوله لنقائصه قبل مزاياه، هو الذي يمنحه القدرة على فيض المحبة للآخرين. فمن لا يبني صرحاً من الود مع روحه، لن يقوى على تشييد جسور المودة مع العالم.
ثانيا… باب السكن.. (بين الزوجين)
— الحب هنا هو “مادة البقاء”..ليس عقداً مدنياً بل هو انصهارٌ روحي، حيث يصبح العطاء دستوراً والوفاء شريعة. إنه الفن العظيم في أن يرى كل طرفٍ نفسه في مرآة الآخر، فيغدو التغافل ذكاءً، والمودة رداءً يقي تقلبات الزمان.
ثالثا….باب الامتداد: (بين الأبناء ورب البيت)
— هو حب “الرعاية والقدوة”..حين يحكم رب البيت بالحب، تنمو الأغصان مستقيمة نحو الضوء. إن طاعة الأبناء النابعة من دستور المحبة هي أصل الانتماء؛ فالبيت الذي يُبنى بالحب لا تُهدم جدرانه العواصف.
رابعا… باب الأرحام: (بين العائلة والأقارب)
— هو ميثاق “الصلة والترميم”.. أن يظل الحب هو المرجع الأول في الخلاف، حيث تُبتر الأنانية وتُمد جسور التسامح، إيماناً بأن القريب هو السند الأوحد حين تشتد الخطوب.
خامسا… باب التنوير.. (بين التلميذ وأستاذه)
— هنا الحب هو “شغف المعرفة”..الأستاذ المحب يزرع الروح في جفاف المعلومة، والتلميذ المحب يفتح آفاق عقله بصدق. إنها علاقة “أبوة روحية” تجعل من قاعة الدرس محراباً للنهضة.
سادسا… باب الرحمة: (بين الممرض والدكتور)
–في ميادين الألم، الحب هو “البلسم القبل الأخير”. حين تسود روح المودة بين أركان الطاقم الطبي، يتحول العمل إلى سيمفونية إنسانية، ويسري الشفاء في جسد المريض قبل أن يصله الدواء.
سابعا .. باب الإخلاص: (بين المرء ورئيسه في العمل)
— الحب هنا هو “التقدير والولاء”. حين يكون الدستور هو العدل والمحبة، تذوب التراتبية الجافة، ويصبح العمل إبداعاً يسابق الزمن، لا مجرد ساعاتٍ تُقضى مقابل أجر.
ثامنا…باب الفداء: (بين الجندي وقائده)
— هو أسمى مراتب الحب وأكثرها جلالاً؛ “حب الأرض والرفقة”. إن جندياً يحب قائده ويثق به هو قوة لا تُقهر، لأن المحبة في الميدان هي الوقود الذي يحيل الخوف شجاعة، والموت فداءً.
تاسعا…باب الفضاء الرقمي: (ميثاق التواصل والرقمنة)
وعلى مشارف العصر الرقمي، لابد للحب أن يسكن الشاشات كما يسكن الصدور. إن دستورنا يقضي بتحويل منصات التواصل من ساحاتٍ للقطيعة والشتائم والكراهية، إلى جسورٍ ممتدة من الودّ والقرب. إن الرقمنة في جوهرها هي “رسول محبة” عابر للحدود، فليكن المنشور كلمة طيبة، والتعليق جبراً للخواطر، ولنجعل من العالم الافتراضي وطناً يسوده أدب اللقاء وعفة اللسان، لنثبت أن خلف كل شاشة قلباً ينبض بالإنسانية لا آلة تضخ الضغينة.
عاشرا…..دستورك الشخصي: كيف تطبق “ميثاق الحب”؟
1- على مستوى “باب الجوهر” (أنت):
— التصالح اليومي: خصص دقائق لنفسك بعيداً عن صخب العالم. تقبل إخفاقاتك بابتسامة، وتذكر أنك لن تستطيع سقي الآخرين إذا كان بئرك جافاً.
— قاعدة الارتكاز: قل لنفسك: “أنا أستحق الحب لأعطيه”.
2- على مستوى “باب السكن والامتداد” (العائلة):
— ذكاء التغافل: في الخلافات الزوجية أو العائلية، اجعل “الحب” هو الحكم. اسأل نفسك: “هل أريد أن أكون محقاً أم أريد أن أكون محبباً؟”.
— القدوة بالحب: مع الأبناء، استبدل لغة الأوامر الجافة بلغة المشاركة الوجدانية؛ فالأبناء يتبعون من يحبون، لا من يرهبون.
3- على مستوى “باب الإخلاص والرحمة” (العمل):
— أنسنة المهنة: إذا كنت مديراً، اجعل “التقدير” عملتك الأساسية. وإذا كنت موظفاً، اجعل “الإتقان” رسالة حب لمهنتك وليس مجرد واجب للحصول على أجر.
— روح الفريق: في أي ميدان (طبي، هندسي، تعليمي)، تذكر أن الابتسامة في وجه الزميل هي “بنزين” المحرك الذي يسيّر العمل.
4- على مستوى “باب الفضاء الرقمي” (خلف الشاشات):
— فلتر الكلمات: قبل أن تضغط “نشر” أو “تعليق”، مرر كلماتك عبر دستور الحب: هل هي “جبر خاطر” أم “كسر قلب”؟
— العفة الرقمية: اجعل صفحتك واحة للجمال والكلمة الطيبة، وانسحب بسلام من أي صراع يضخ الضغينة.
وختاما…. دعوة للالتزام بالميثاق
إن هذا الدستور لا يحتاج إلى برلمانات لإقراره، بل يحتاج إلى “إرادة قلبية” صادقة. إننا حين نجعل الحب دستورنا، لا نلغي العقل بل ننيره، ولا نضعف القانون بل نحميه بالضمير. فليكن هذا اليوم هو موعدنا لإعلان الولاء لهذا الميثاق الأعلى؛ لنبني عالماً يسكنه الإنسان لا الآلة، وتحكمه المودة لا المصالح. فبالحب وحده، نستحق شرف الانتماء لهذه الحياة، وبالحب وحده، نكتب أسماءنا في سجل الخالدين.
