بقلم : أحمد رشدي
في زمن تتسارع فيه الوقائع وتتصادم فيه المصالح، وتضج فيه المنصات بالأصوات والآراء، يظل سؤال الأخلاق حاضرًا بإلحاح لا يقبل التأجيل: ما الذي يحفظ تماسك المجتمعات حين تتبدل الموازين وتختلط الأولويات؟
وما الذي يجعل أمة قادرة على الصمود لا بمجرد وفرة مواردها، بل بصلابة ضميرها الجمعي؟
ليست الأخلاق ترفًا فكريًا، ولا خطبة وعظية عابرة، بل هي في جوهرها منظومة عمل وسلوك ومساءلة.
إنها ذلك الإطار غير المرئي الذي يضبط إيقاع العلاقات بين الأفراد، ويرسم حدود المسؤوليات بين السلطة والمواطن، ويحدد الفارق بين الحرية والفوضى.
وعبر التاريخ الإنساني، لم تقم حضارة راسخة إلا على قاعدة أخلاقية واضحة المعالم، تحترم الإنسان بوصفه قيمة عليا، لا أداة عابرة في معادلة الربح والخسارة.
إن مفهوم “أخلاق المسؤولية” يتجاوز فكرة الالتزام الفردي البسيط، ليصبح رؤية شاملة تجعل كل قرار مهما بدا صغيرًا خاضعًا لمعيار الأثر العام. الموظف حين يخلص في عمله،
لا يؤدي واجبًا وظيفيًا فحسب، بل يسهم في حماية ثقة الناس بالمؤسسات. والإعلامي حين يتحرى الدقة، لا ينقل خبرًا فقط، بل يصون وعي مجتمع بأكمله من التضليل. وصاحب الرأي حين يكتب بإنصاف، لا يعبر عن ذاته وحدها، بل يرسخ تقليدًا حضاريًا في إدارة الاختلاف.
وقد أثبتت التجارب المعاصرة أن المجتمعات التي تبني تشريعاتها على الشفافية، وتُخضع قراراتها للمساءلة، وتربط السلطة بالمسؤولية، هي الأقدر على تجاوز الأزمات بأقل الخسائر. فالمشكلة ليست في وقوع الخطأ، فذلك من طبيعة البشر، وإنما في الإصرار عليه أو تبريره أو تحويله إلى منهج دائم.
هنا تتجلى أهمية الضمير الحي، الذي لا يكتفي بالشعارات، بل يطالب بالفعل المنضبط والاعتراف الصريح.
ومن اللافت أن التحولات الرقمية، رغم ما وفرته من مساحات للتعبير، أفرزت تحديات أخلاقية غير مسبوقة؛ فسرعة النشر سبقت أحيانًا دقة التحقق، وغلب الانفعال على التأمل، وتحولت بعض المنصات إلى ساحات تصفية حسابات بدل أن تكون فضاءات حوار راقٍ. لذلك باتت أخلاق المسؤولية ضرورة ملحّة، لا خيارًا تكميليًا، حتى لا يُستباح الوعي العام تحت لافتة الحرية.
إن بناء الضمير الجمعي يبدأ من التربية، ويتعزز بالتشريع، ويترسخ بالممارسة اليومية. فحين يرى الطفل قدوة صادقة في بيته ومدرسته، وحين يشاهد نموذجًا نزيهًا في مؤسسات دولته، وحين يقرأ خطابًا إعلاميًا يوازن بين الحق في المعرفة وواجب الدقة، يتشكل داخله وعي أخلاقي يصعب زعزعته.
ولعل أعظم ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس المزيد من الخطط المعلنة، بل مزيدًا من الاتساق بين القول والعمل؛ فالثقة وهي رأس المال الحقيقي لأي وطن لا تُبنى بالخطب الرنانة، بل تُصان بالمواقف العملية.
وكلما اتسعت مساحة الالتزام الفردي، ضاقت مساحة الفساد. وكلما ترسخ احترام القانون، تراجعت ثقافة الاستثناء.
إن أخلاق المسؤولية ليست شعار مرحلة، بل مشروع أمة. وهي ليست عبئًا على الحرية، بل ضمانتها الحقيقية. فالمجتمع الذي يضبط حريته بضميره، لا يحتاج إلى قيود خارجية خانقة، لأنه يدرك أن الحرية بلا وعي قد تتحول إلى سلاح يرتد على أصحابه.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل واحد منا: هل نمارس أدوارنا باعتبارنا أفرادًا عابرين في مشهد مزدحم، أم شركاء حقيقيين في صناعة مستقبل أكثر نزاهة ووضوحًا؟
إن الإجابة ليست في الكلمات، بل في التفاصيل الصغيرة التي نصنع بها أيامنا. وهناك، تحديدًا، يبدأ الفرق بين وطن يُدار بالمصالح الضيقة، ووطنٍ يقوده الضمير.
