نهاد عادل
في مصر خلال سبعينيات القرن التاسع عشر كان يوجد مهنة فريدة ومهمة كانت تُعرف بـ “الغلباوي”. هذه المهنة لم تكن مجرد لقب يطلقه الناس على الأفراد الذين يكثرون من الجدال بل كانت تمثل وظيفة هامة في المجتمع المصري في تلك الفترة. كان “الغلباوي” يعمل بشكل مشابه للمحامي في العصر الحديث حيث كان يناضل للدفاع عن المتهمين ويسعى لإثبات براءتهم أمام المحاكم..
و “الغلباوي” كان شخصًا متخصصًا في الدفاع عن المتهمين وكانت مهمته الأساسية هي السعي لتبرئة الأفراد من التهم المنسوبة إليهم. وكان هذا الدور يتماثل إلى حد كبير مع وظيفة المحاماة الحالية حيث كان الغلباوي يمتلك المعرفة القانونية والقدرة على الحوار والإقناع.
و كان الغلباوي في كثير من الأحيان خريجًا من الأزهر الشريف مما منحه دراية بالقوانين الشرعية والعرفية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. وكان يمتلك مهارات خاصة في الجدال وإدارة النقاشات الطويلة. تميز أسلوبه في الحوار بالقدرة على الإقناع لدرجة أن القاضي قد يحكم أحيانًا ببراءة المتهم بينما يُحكم على الغلباوي نفسه بالحبس بسبب كثرة الجدل وتعود التسمية بـ “الغلباوي” إلى المهارات الفائقة التي كان يمتلكها في الجدال والمجادلة حيث كان قادرًا على الاستمرار في النقاشات لساعات طويلة. وكان يجلس أمام المحاكم في كشك خاص به حيث كان يعرض خدماته للمتهمين ويقوم بكتابة التظلمات والالتماسات.
كان هناك نوعان من “الغلباوي” الأول هو “الغلباوي كثير الكلام” وهو الشخص الذي يمتلك قدرة هائلة على الحديث والجدل بينما كان النوع الثاني هو “الغلباوي القادر على الإقناع بالأدلة والبراهين”. كان المصريون في تلك الفترة يفضلون النوع الأول الذي كان يكثر من الكلام ويطيل النقاشات.
و على الرغم من كونه شخصًا مشاكسًا كان الغلباوي يُعتبر بطلاً في نظر العديد من الناس حيث كان يدافع عن حقوق المظلومين. كما كان يتمتع بقدرة فائقة على صياغة المراسلات القانونية مثل كتابة العرائض والالتماسات. وكان يُعرف بشجاعته في مواجهة القضاة والتحدث باسم الشعب.
و كان الغلباوي يستخدم طرقًا مبتكرة لجذب المتهمين له حيث كان يضع لافتة مكتوب عليها عبارة “الدفع بعد البراءة والفرج” على الكشك الذي يجلس فيه، بهدف إقناع المتهمين بقدراته في الدفاع عنهم.
مهنة “الغلباوي” كانت من أقدم وأهم المهن في مصر في تلك الحقبة ورغم أنها اختفت مع مرور الوقت إلا أنها كانت تمثل جانبًا من تاريخ النظام القضائي في مصر. اليوم نرى في “الغلباوي” شخصية تمثل الفطنة والقدرة على الإقناع والتي قد تكون مشابهة لبعض الأدوار القانونية الحديثة.
