بقلم : أحمد رشدي
في عالمٍ تتسارع فيه الخطى وتتشابك فيه الخيوط بين التكنولوجيا والعلوم الحديثة والذكاء الاصطناعي،
تظل القراءة فعلًا إنسانيًا أصيلًا لا يفقد قيمته، بل تزداد أهميته كلما تعقّد الواقع واشتد الصراع على الوعي.
فالكتاب لم يكن يومًا ترفًا ثقافيًا، بل كان دائمًا اللبنة الأولى في بناء الحضارات، وأداة الإنسان لفهم ذاته والعالم من حوله، ووسيلته للارتقاء من الفوضى إلى النظام، ومن الجهل إلى المعرفة.
القراءة تصنع العقل القادر على التحليل والنقد، وتمنح الإنسان أفقًا أوسع لفهم التاريخ والعلوم والفكر والفلسفة، وتكسبه القدرة على التمييز بين الغث والسمين في زمن تدفّق المعلومات. إنها التي تصقل الشخصية، وتغرس القيم، وتبني الوعي الجمعي القادر على حماية الأوطان من الانحدار الثقافي والفكري.
ومن هنا، فإن أمة لا تقرأ، أمة تتراجع مهما امتلكت من أدوات تقنية أو قدرات مادية.
وانطلاقًا من هذه الحقيقة،
يجيء معرض القاهرة الدولي للكتاب كل عام ليؤكد أن مصر ما زالت تحتفظ بدورها التاريخي كمركز إشعاع ثقافي في المنطقة العربية. فمنذ انطلاقه عام 1969، لم يكن المعرض مجرد سوق لبيع الكتب، بل تحوّل إلى موسم ثقافي وفكري شامل، ومنصة حوار مفتوحة بين الكاتب والقارئ، وبين التراث والحداثة، وبين الفكر الإنساني وتحديات العصر.
وفي دورته السابعة والخمسين، يواصل المعرض أداء رسالته، مستقطبًا مئات دور النشر من مختلف دول العالم، ومقدمًا آلاف العناوين في شتى مجالات المعرفة، إلى جانب برنامج ثقافي متنوع يضم ندوات فكرية، وأمسيات أدبية، ولقاءات مع كبار المفكرين والمبدعين. هذا الزخم الثقافي، وما يصاحبه من إقبال جماهيري كثيف، يعكس وعيًا متجددًا بأهمية القراءة، ويؤكد أن الكتاب ما زال يحتفظ بمكانته في وجدان المجتمع رغم هيمنة الشاشات وسرعة الوسائط الرقمية.
ولعل من أهم ما يميز تجربة المعرض هو إتاحة الفرصة أمام القارئ لاختيار كتبه بعناية، بعيدًا عن العشوائية، فالكتاب الجيد هو الذي يضيف إلى العقل معرفة، وإلى الروح قيمة، وإلى الوعي عمقًا. اختيار الكتب فعل مسؤول، يحدد مسار الفكر، ويؤثر في تكوين الإنسان، خاصة في ظل وفرة المحتوى وسهولة الوصول إليه دون تمحيص.
وفي هذا الإطار، لا يقف معرض القاهرة الدولي للكتاب موقف الخصومة من التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي، بل يسعى إلى دمج الحداثة بالمعرفة، عبر أدوات تنظيمية ذكية وتجارب رقمية تسهّل الوصول إلى الكتاب والمعلومة، وتؤكد أن التقدم العلمي لا يتناقض مع القراءة، بل يحتاج إليها. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، يظل أداة، بينما يظل العقل البشري الواعي بالمعرفة هو القائد الحقيقي لمسار الحضارة.
إن مشهد الأسر والشباب والأطفال وهم يتجولون بين أجنحة المعرض، يحمل رسالة واضحة مفادها أن القراءة ما زالت قادرة على جذب الأجيال الجديدة إذا قُدمت في إطار واعٍ ومفتوح، يربط بين الماضي والحاضر، ويستشرف المستقبل دون قطيعة مع الجذور.
وهكذا، يظل معرض القاهرة الدولي للكتاب شاهدًا حيًا على أن العودة إلى الكتاب هي الطريق الآمن لبناء الأمم واستعادة دور الحضارة والثقافة. ففي زمن تتغير فيه الأدوات، تبقى القراءة هي الثابت، ويبقى الكتاب هو الوعاء الأصدق للمعرفة، والجسر الأمتن بين الإنسان ومستقبله.
