بقلم/ أسامة إبراهيم
في زحام الحياة اليومية وتعدد العلاقات الإنسانية، نقابل أشخاصًا كُثُرًا تختلف طباعهم، وتتنوع شخصياتهم، لكن بعضهم يستحق أن نضع بيننا وبينهم حدودًا آمنة مهما كانت درجة القرابة أو الود. هؤلاء ليسوا بالضرورة أشرارًا بمعنى الكلمة، لكن قربهم المستمر يُعرّضنا لما هو أخطر من العداء… يستنزفون طاقتنا، ويقتاتون على سعادتنا.
وفي مقدمة هؤلاء يأتي ما يمكن أن نُطلق عليه «الشخص الدمنتور».
من الخيال إلى الواقع: من هو “الدمنتور”؟
استُلهِم المصطلح من عالم الأدب الخيالي، وتحديدًا من سلسلة “هاري بوتر” الشهيرة للروائية البريطانية ج. ك. رولينغ، التي ابتكرت شخصية الدمنتور ككائنٍ شبحِي مظلم، يتغذى على الذكريات السعيدة للبشر، ويجبرهم على استحضار أسوأ ما مرّوا به من آلام ومآسٍ.
وفي القصص، كان الدمنتور يملك قدرة مميتة تُعرف بـ”قبلة الدمنتور”، ينتزع بها روح الإنسان، فيترك جسده حيًا من الخارج، لكنه خالٍ من أي معنى للحياة.
ورغم أن هذا الكائن وُلد في عالم الخيال، فإننا نصادفه كل يوم في عالمنا الحقيقي، لكن على هيئة بشر.
قد يكون قريبًا، زميلًا في العمل، أو حتى صديقًا قديمًا… شخصٌ بمجرد أن يدخل إلى الغرفة تشعر أن الضوء قد خبا، والجو أثقل، والطاقة انخفضت.
هو لا يبتسم، ولا يرى خيرًا في شيء، ولا يترك من حوله إلا مثقلين بالهمّ والإحباط.
الدمنتور الواقعي: حين يتحول الإنسان إلى مصدر ظلام
الشخص «الدمنتور» لا يحتاج إلى عصًا سحرية، فسلبيته وحدها كافية لتصيب من حوله بالوهن النفسي.
هو نموذج دائم الشكوى، يرى نفسه ضحية كل شيء، يفسّر الأحداث دائمًا من منظور سوداوي.
في كل موقف، يبحث عن وجه الفشل لا النجاح، وعن الخسارة لا المكسب.
وجوده كفيل بأن يُطفئ الحماس في أي مشروع، ويُحوّل أكثر اللحظات بهجة إلى عبء ثقيل.
ولأن علم النفس لا يترك شيئًا دون تفسير، فقد وجدت الدراسات أن مثل هؤلاء الأشخاص ينشرون ما يُعرف بـ«العدوى العاطفية السلبية»؛ ففي دراسة أجرتها جامعة نوتردام الأمريكية، وُجد أن الطلاب الذين يعيشون مع زملاء يتسمون بالتشاؤم والشكوى المستمرة، تتغير أنماط تفكيرهم تدريجيًا لتصبح أكثر سلبية، ويزداد احتمال إصابتهم بالاكتئاب أو القلق؛ بمعنى آخر، الطاقة السلبية معدية، مثلها مثل أي مرضٍ جسدي، والاقتراب المستمر من “الدمنتور” النفسي قد يُضعف مناعتك العاطفية.
بين الدين والعلم: حماية النفس ليست أنانية…
قد يظن البعض أن الابتعاد عن هؤلاء الأشخاص نوع من الجفاء أو القطيعة، لكن الحقيقة أن ذلك ضرورة وقائية لا تتعارض مع القيم الدينية؛ فالقرآن الكريم يقول: “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”، ويقول:” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها “، أي لا تحمل نفسك فوق طاقتها و لا تضع نفسك في موضع الهلاك، ومن الهلاك النفسي أن تترك روحك نهبًا لمن يسحب منك طاقتك كل يوم.
الإسلام دين يوازن بين الرحمة بالنفس والرحمة بالآخرين، فليس من الحكمة أن تُهدر طاقتك في محاولة إنقاذ من لا يريد أن يُنقذ نفسه.
ادعُ له بالهداية، قَدِّم له النصيحة إن استطعت، لكن لا تسمح له بأن يُغرقك في ظلامه.
كيف تتعامل مع “الدمنتور”؟
1. اعرفه أولًا: راقب مشاعرك بعد لقائه. هل تشعر بالتعب أو الانزعاج أو فقدان الأمل؟ هذه علامة أنك أمام شخص “دمنتور”.
2. ضع حدودًا واضحة: قلّل من وقت التواصل معه، وكن حازمًا في إنهاء الأحاديث التي تميل إلى التذمر أو التشاؤم.
3. حافظ على طاقتك: أحط نفسك بأشخاص إيجابيين، مارس الأنشطة التي تُعيد توازنك النفسي كالمشي أو التأمل أو القراءة.
4. لا تشعر بالذنب: تذكّر أن الاعتناء بنفسك ليس أنانية، بل مسؤولية.
ختامًا…
في عالم يموج بالضغوط والاضطرابات، نحتاج إلى أن نحمي أرواحنا من كل ما يثقلها.
الشخص “الدمنتور” قد لا يكون شريرًا عمدًا، لكنه مريض بطاقته المنخفضة وعدواه النفسية، ولن يُشفى على حسابك.
لذا، ابتعد عنه مهما كلفك الأمر، وادعُ له بالعافية، لكن لا تسمح له أن يسلبك نورك؛ فالحياة قصيرة، ولا تستحق أن تُقضى في ظل من يطفئها فيك.
