بقلم دارين عوض
لا ترحلي…
تمهّلي قليلًا،
دعي الوجعَ يستريح،
وقولي للموت إن الطريقَ ليس طريقه الآن،
فيدي ما زالتْ صغيرةً على الفقد،
وقلبي لم يتعلّم بعد
كيف يعيش يتيمَ الأم.
أراكِ على فراش المرض
واهنةَ الجسد،
لكنّكِ ما زلتِ أمي،
تبتسمين لي
وكأنكِ تخبّئين الألمَ عني،
وأنا أرتجفُ خوفًا،
وأطوي دموعي في صدري
كي لا أُثقِل وجعكِ بوجعي.
أمسكُ يدكِ
كأنني أتشبّث بالعمر كلّه،
دفءُ كفّكِ يخذلني،
والمرض يسرقكِ مني رويدًا رويدًا،
وأنا أدعو…
أدعو بكل صلاةٍ علّمتِني إيّاها،
بكل دمعةٍ ذرفتِها سرًّا
وأنتِ ترفعِين اسمي إلى السماء.
كم ندمتُ حين ابتعدتُ عنكِ في أسفاري،
وكم أسفتُ لسنينٍ لم تقع عيني عليكِ فيها،
كم مرّ من أيامٍ
وأنا أؤجّل اللقاء،
كأن العمر كان ينتظرني!
لم أكتفِ من حضنكِ ولا من حنانكِ،
لم أرتوِ من نظراتكِ المفعمة حبًّا،
لم أكتفِ من الجلوس معكِ
ومن الحديث معكِ عن كل شيءٍ… وعن لا شيء،
لم أكتفِ منكِ يا أمي،
ولم تكتفي أنتِ مني.
أمي…
أترينني الآن؟
أنا هنا،
عدتُ محمّلةً بالندم،
لكن قلبي لم يغادر عتبة صدركِ يومًا،
كبرتُ لأنكِ أردتِ لي أن أكبر،
وتحمّلتُ لأنكِ علمتِني الصبر،
فلا تتركيني الآن
في منتصف هذا الطريق الموحش.
كم مرةٍ مسحتِ الخوفَ عن وجهي
وكنتِ لي الأمان،
وكم مرةٍ حملتِ عني الألم
وصمتِّ،
واليوم أقفُ عاجزةً
أمام وجعكِ،
لا أملك لكِ سوى الدعاء،
ولا أملك لنفسي سوى الانكسار.
لا ترحلي،
فالعالم من بعدكِ قاسٍ،
والبيوت بلا أمهاتٍ قبورٌ صامتة،
والأيام دون صوتكِ
أرقامٌ بلا روح.
أخاف أن أراكِ
وأخاف أكثر ألا أراكِ،
أخاف من لحظةٍ
أناديكِ فيها
فلا يأتيني صوتكِ،
أخاف من صباحٍ
لا يبتدئ بدعائكِ.
وإن كان الرحيلُ قدرًا لا يُردّ،
فخُذيني معكِ في دعائكِ،
وإن كان للبقاء بابٌ مفتوح،
فابقَي…
ابقَي لأجلي،
فأنا ما زلتُ تلك الطفلة
التي لا تعرف للحياة معنى
إلا حين تقول لها أمّها:
يا ابنتي.
لا ترحلي…
أؤمن أن المعجزة ممكنة،
وأن الله لطيف،
وأن قلب الأم
لا يموت…
بل يظلّ نابضًا
حتى وإن غابت الأجساد.
