بقلم: صلاح الدين عثمان
كُنتُ أعرِفُ نَفسي.
هي العبارةُ التي خَتَمَ بها المُتَّهَمُ حديثَه.
إنَّها جَلسةٌ يُسَجِّلُها التَّاريخُ كسابقةٍ في هذه المحكمة،
رُبَّما لكونِها الحادثَ الأوَّلَ كجريمةٍ تَرقى للاهتمامِ الشديد.
فالبيئةُ المُحيطةُ تَشهَدُ تَسامُحاً مُنقَطِعَ النَّظير،
والقضاءُ يكادُ أن يكونَ في سُباتٍ عَميق،
فكيفَ به إذ أيقَظَهُ كابوسٌ؟
إذا بصوتِ امرأةٍ يَصرُخُ مُنادياً المُتَّهَم:
– طَلِّقني!
فأجهَشَت بالبُكاء.
لَفَتَت الأنظارَ إليها، فأسرعتُ أستَجلي الخبر.
إنَّها والدةُ الصَّبيِّ موضوعِ المُحاكَمة.
قالت كأنَّها تُخاطِبُ نَفسَها:
– لقد أخطأتُ مَرَّتين في حَقِّكَ يا وَلَدي.
التَفَّ حولَها مَن جاءَ مُهَدِّئاً مِن رَوعِها.
ثَمَّةَ أمرٌ لا بُدَّ من ذِكرِه:
لقد تَعَمَّدَ الجاني خَلطَ الأمورِ ببعضِها،
فقد عَمَّاهُ حتّى لا تُعرَفَ حقيقتُه.
جاءَ وفي رأسِه خُطَّةٌ،
طَرَقَ بابَ أرملةِ أخيه لجَمعِ الشَّملِ ورعايةِ اليَتيم.
فتوهَّمَت بادِئَ الأمرِ أنَّ الحقَّ ما يَقولُه قومُها،
وضَحَّت بذكرياتِ المرحوم.
مع الأيّامِ تَبَيَّنَ أنَّ العمَّ عَقيم، فأشفَقَت على ضَرَّتِها.
ما كانَ في وعيِها أنَّ هناكَ غايةً أخرى خِلافَ الإنجاب.
إنَّها عُقدةُ أجيالٍ تتوارَثُها،
يَحقُّ للمجتمعِ المُعايَرةُ بها والموتُ دونَها.
فأنفَذَ الجاني بُغيتَه،
تحتَ شجرةِ الدُّومِ في ناحيةِ الحوشِ الكبير،
كانَ الصَّبيُّ وأقرانُهُ يَلعَبون،
بينما العمُّ على مقربةٍ يَحفِرُ الحُفرة.
وفي عودةِ الصَّبيِّ لأمِّه يُحكي لها،
إلى أن غابَ عنها.
فَزِعَ الناسُ يَبحثون،
أوَّلُ المهرولين العمُّ،
ولكنَّ الأمَّ قلبُها دليلُها،
ودلَّت الشرطةَ إلى شجرةِ الدُّوم.
الإسكندرية 2 ديسمبر 2025م
