من “زقاق المدق” إلي “ثرثرة فوق النيل”.. نجيب محفوظ أديب نوبل يرسم ملامح القاهرة بحبر الرواية

كتبت: مريم أحمد

في أحد مناطق الجمالية، تلك المنطقة التي تفوح منها رائحة الزمن، ويكتب علي جدرانها حكايات ألف ليلة وليلة. ولد نجيب محفوظ، ولم يكن يعلم الطفل الصغير حينها أن هذه الشوارع، بكل ما فيها من بشر وأصوات وأحجار. ستصبح فيما بعد بطلة رواياته، وصورة متكررة في أدبه، ومرأة يرى بها الوطن والتاريخ والناس، وكان محفوظ يقول دائما في لقاءاته أنا ابن الحارة المصرية، تربيت في الجمالية، وعشقت كل تفاصيلها. كانت الحارة هي العالم والناس وهم الحياة والمقاهي هي المسارح الفكر والحوار، ولم لكن الجمالية مجرد مكان. بل كانت وطنا مكتمل الملامح، يلهمه كتبته كثيرة، ويزوده كلما أحتاج إلي فكرة أو ذكري أوي حتي شعور

حكايات محفوظ والقاهرة

ومن هنا بدأت حكايته مع القاهرة ولم تكن القاهرة لدي نجيب محفوظ تلك المدينة الصاخية وحسب. بل كانت كائناً حياً يتنفس، ويغضب، ويحب، يثور ثم يولد من جديد ومن بين أزقتها، وبيوتها القديمة، وأسواقها، ومأذنها.

رسم محفوظ لوحاته الروائية: فكل شارع له قصة، وكل بيت، وكل شخصية تحمل من قلب القاهرة، وكان محفوظ يستحضر القاهرة كما يستحضر الروح تجدها في زقاق المدق. كما هي في بين القصرين وتنقل معها في خان الخليلي، وتراها حزينة في ثرثرة فوق النيل، وعافية في محملة الحرافيش، ومتألِّمة في اللص والكلاب. لم يكن يكتب عن المدينة، بل كان يكتب من داخلها ومن قلبها النابض. في أحد اللقاءات التلفزيونية القديمة. ظهر محفوظ هادئاً كعادته، وعيناه تسرحان في ذكرياته لايراها غيره، وعندما سأله المذيع أين تجد نفسك أكثر؟ في الماضي أم في الحاضر؟

أجاب محفوظ بابتسامة صغيرة أنا أعيش في الحاضر لكن قلبي في القاهرة التي عشت فيها وأنا طفل، في شارع المعز وفي بيتنا القديم وفي الأزقة التي كنت أركض فيها وأنا ذاهب للمدرسة لقد كانا القاهرة بالنسبة له المنبع البوصلة إلي رائحة الخبز الطازج في الصباح، إلي أصوات البائعين، إلي ضجيج الأطفال في الأزقة إلي صمت المساجد في الفجر، وإلي الحوارات التي لا تنتهي في المقاهي.

حارة لها قلب

لم تكن الحارة عند محفوظ مجرد شارع ضيق تحيط به البيوت، بل كانت كائناً له روح يتنفس ويحب ويكره ويخاف من الغد. ففي رواية بين القصرين رسم صورة القاهرة القديمة من خلال عائلة السيد أحمد عبد الجواد، لكنها لم تكن مجرد قصة أسرة. بل كانت قصة وطن، فالحارة من الجبروت الأيوبي إلي الحلم الثوري، ومن المرأة المسيكنة التي تبحث عن حريتها.

وقال محفوظ في أحد لقاءاته: الحارة المصرية علمتني كل شيء فيها ترى الظلم والعدل. القسوة والرحيمة. الدين والدنيا، كل شيء تخطف القاهرة القديمة. لأنه كتب بروح من ماضيها. لا من ويطل القارئ في زقاق المدق كأنه وسير في الواقع، يسمع صوت حميدة وهي تضحك، ويراقب عباس الحلاق وهو يحلم، ويشم رائحة المسك والتوابل في الهواء، ويتجول في خان الخليلي بين المحلات القديمة، ويجلس علي نفس المقهي الذي جلس عليه أحمد عاكف في الرواية ذلك الشاب الذي كاد اليأس أن يقتله! كما ضوء الشمس الأزقة الضيقة.

كل هذه الصور.لم أتت من الخيال فقط، بل من ذاكرة محفوظ. من الطفولة التي لم تفارقه، ومن نظرة الفتى الصغير الذي وقف ذات يوم، يتأمل مئذنة الجامع الأزهر، شعر أن شيئا ما يتحرك داخله اسمه الحلم.

 

القاهرة تتكلم في صوته

وفي الثمانينات كان نجيب محفوظ يظهر من حين لأخر في برامج التلفزيونية.

بهدوئه المألوف، ونظارته السميكة وكلماته الموزونة. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان يعرف متي يقول، وماذا يقول في أحد اللقاءات سأله المحاور هل ترى أن القاهرة تغيرت؟ فتنهد وقال: كل المدن تتغير. لكن القاهرة أعرف القاهرة القديمة، أما هذه فهي لم تعد كما كانت لكن فالناس هم من يغيرون المدن.

كان يتحدث عن القاهرة وكأنها شخص يعرفه عن قرب. شخص يحمل في ملامحه التعب. وفي عينيه الحنين. لكنه لا يزال حياً، لا يزال ينبض، لا يزال يهمس في أذن محفوظ كما أمسك قلمه.

الرواية تسير في الشارع

فكانت رواياته شهادة علي القاهرة في تحولاتها، من زمن الملكية إلي ثورة يوليو. من زمن الحرافيش إلي زمن الانفتاح. لم لكن الرواية عنده وسيلة للهرب من الواقع بل كانت وسيلة تفهمه وقراءته إلي الشوارع القاهرة القديمة، شعرت أن الرواية تمشي بجانبك كل شيء يبدو مألوفاً الباب الخشبي القديم، البائع المتجول، أصوات الأذان المتداخلة، ضحكات النساء مت الشرفات، حديث الرجال عن السياسة والدين والحب. في رواية قصر الشوق لا يتحدث محفوظ فقط عن الأب والابن، بل عن مصر وهي تقلب في أوجاعها وأحلامها. وفي السكرية، تصبح الشخصيات أكثر وعياً، تتغير،تتألم، وتبحث عن مكان لها في مدينة لا تتوقف عن الحركة. قال ذات مرة عنهم. أنا لم أكتب عن شخصيات خيالية كلهم ناس قابلتهم أو سمعت عنهم أو قرأت وجوههم في الشارع. لهذا شعر القراء بأنهم يعرفون أبطاله وأبناء الحارة فعلا. يعرفون أحمد عبد الجواد، وسعيد مهران، وعباس الحلاق، وحميدة.

أشهر لقاءاته التلفزيونية للراحل نجيب محفوظ والتي منها

لقاء مع أحمد فراج في برنامج حديث المدينة أواخر الستينات، اللقاء الذي قال فيه أنا ابن الحارة المصرية.

لقاء مع محمد فوزي في برنامج حديث البلد في التسعينات تحدث فيه محفوظ عن الحارة والقاهرة ومراحل تطور المجمتع المصري.

لقاء نادر في برنامج أمس، واليوم، وغداً علي التلفزيون المصري.

 

Related Posts

سَأَظَلُّ…وَحِيدًا…فِي طَرِيقِي…

كتب د. نادي شلقامي لا..لن تقطفي وردة من حدائقي .. ولن تشتمي رائحة الفل… والريحان…. لا…لن تعبري حواجز حبي ولن.. تسيري في طريق أناره.. لي الرحمن… لا..لن تركبي في مركبي…

امرأة من جهنم

    بقلم / عادل النمر   امرأة صنعت من رغباتها عرشا مظلما، وجلست عليه متجبرة لا ترى سوى ذاتها، ولا تسمع إلا صدى نزواتها. امرأة من جهنم، لا تحمل…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *