بقلم السيد عيد
سؤال عميق جدًا… جدّي؟ هل أنت جاد فعلاً؟ لأنني حتى الآن، وبكل صدق، لم أتمكن من معرفة من أنا حقًا. هل أنا هذا الكائن الذي ينظر إلى المرآة صباحًا ويتفاجأ من كم الفوضى التي تراكمت على وجهه؟ أم أنا ذاك الصوت الداخلي الذي يحاول أن يقنعني أن أكون “أفضل نسخة من نفسي” بينما أظل أتسكع بلا هدف بين مقاهي الحياة؟
هل أنا فكري المزدحم بأفكار لا تنتهي عن معنى الحياة، أم أنا ذلك الجسد الكسول الذي يفضل البقاء في السرير؟ هل أنا ذاك الذي يكتب هذه الكلمات بتواضع فلسفي مزعوم، أم أنا فقط مجموعة من الصدف الجينية، ونصوص فيسبوك المفضلة، وفوضى رسائل الواتساب؟
ربما أنا مجرد حزمة من الذكريات المحشورة في صندوق نسيان، أو ربما أنا ذلك الصوت الذي يصرخ داخليًا: “توقف عن البحث عن نفسك، فالأمر يشبه البحث عن مفك براغي في غرفة مليئة بالأشياء غير المرتبة.”
أنا خليط من الذكريات والآمال، من قصصٍ لم تُروَ بعد، ومن أحلامٍ تلوح في الأفق. أنا الفرح الذي ينبض في قلبي، والدمعة التي تسكن عينيّ، والضحكة التي تهتز لها الأركان. أنا تلك اللحظات الصامتة التي تمر بي بين الكلمات، وأحيانًا بين الصراخ.
أنا من تاه في دروب الحياة، فتعلم أن يجد نفسه في زوايا البساطة، في عبق لحظة هدوء. أنا من تعلم أن يفتح قلبه للعالم.
أنا صدى الماضي الذي يهمس لي بأسراره، وحاضر يتحدى صعوباته، ومستقبل أزهر بألوان الأمل. أنا قصة تُكتب يومًا بعد يوم، بفصول من الألم والفرح، من الخسارة والانتصار.
ولو سألتني عن هويتي، سأجيبك بضحكة ساخرة: “أنا ذلك الذي حاول أن يكتب عن ‘من أنا؟’ ليجد أن الإجابة هي… ‘مُعذب الفلسفة، نادل القهوة، ومُدمن النسكافيه، الكاتب والقارئ .
الحقيقة أنني، على الرغم من كل هذا، أجد متعة خفية في السؤال نفسه. في التوهان بين من أكون، ومن يُتوقع مني أن أكون، وفي تلك اللحظات التي أحاول أن أخدع ذاتي بأنني أفهم من أنا .
وهكذا تبقى لعبة الهوية، كوميديا فلسفية لا تنتهي، نصنع فيها أنفسنا كل يوم، ونمزح مع الأسئلة العميقة، لأن الجدية الكاملة تُرهق القلب.
لذلك، إذا سألتني مجددًا: “من أنت؟” سأجيب ببساطة: أنا أنت، وأنت أنا، نحن جميعًا ألوانٌ في لوحة الحياة، نتلاقى ونختلف، نتشابه ونتميز، لكن في النهاية، نحن بشر يبحثون عن معنى وجودهم، عن الحقيقة التي تجعل من هذه الرحلة رحلة تستحق أن تُعاش.
