كتبت/نجده محمد رضا
في قلب وادي فزير بجبال دوردوني جنوب غرب فرنسا يقعُ كهف لاسكو الذي يُعدُّ واحداً من أهمِّ مواقع الفنّ ما قبل التاريخ في العالم.
تحكي جدرانه المنحوتة والملوَّنة قصة إنسانٍ عاش قبل آلاف السنين ورسم عالمه الحيواني بطريقة فنية متقنة ومليئة بالغموض والدلالة. منذ اكتشافه في عام 1940 تحوّل الكهف إلى مرجع علمي وفني وثقافي وأثار دهشة العلماء والجمهور على السواء، كما مثَّل تحدياً كبيراً لحمايته والحفاظ على إرثه الهش من التآكل والتلوّث.
“لاسكو جدرانٌ تتكلّمُ بلونٍ من العصر الحجري شاهدةٌ على عبقريةٍ إنسانية قبل 17 ألف عام”
اكتُشف كهف لاسكو عام 1940 على يد شاب فرنسي (مارسيل رافيدات) ومجموعة من أصدقائه الذين فتحوا مدخلاً يؤدي إلى شبكة من الحجر الجيري المتداخل عند دخولهم اصطدموا بمجموعة هائلة من اللوحات التصويرية المتقنة التي تظهر حيوانات كبيرة ومشاهد طبيعية سرعان ما اجتذب الاكتشاف علماء الآثار والرسامين والمصلحين وتم إجراء دراسات متعدِّدة لتوثيق الرسوم ودراستها علمياً.
وصف الكهف ولوحاته ما الذي نراه؟
قاعة “ثوران” الكبرى (Great Hall of the Bulls) تُعدّ من أشهر مشاهد لاسكو، حيث تُعرض ثيران ضخمة وأحصنة مرسومة بخطوط عريضة وأشكال متداخلة توحي بالحركة والقوة.
مجموعات حيوانية متنوعة يظهر في الرسوم ظباءً، وخيولاً، وبقر البوف (aurochs)، وغزلاناً، وأحياناً حيوانات مفترسة. النسب والتفاصيل تُظهر معرفة عميقة بجسم الحيوان وحركته.
القوالب السلبية للأيادي توجد أشكال لأيدي بشرية على هيئة قوالب سلبية، نفُخت الصبغات حول اليد لتترك شكلها على السطح وهو عنصر رمزي متكرر في فنون ما قبل التاريخ.
التقنيات الفنية استخدم الفنانون أصباغاً طبيعية مثل أكاسيد الحديد (ألوان حمراء وبنيّة) ومركبات المنغنيز (أسود)، إلى جانب الفحم استُخدمت أدوات ريشية وأصابع، وتقنيات النفخ والتمويه لإضفاء ظلال وعمق على الأشكال.
التأريخ والسياق الثقافي
تعود غالبية رسوم لاسكو إلى مرحلة العصر الحجري المتأخر المعروفة باسم الماجداليني (Magdalenian) وتُقدَّر أعمارها بنحو 15–17 ألف سنة قبل الميلاد تقريباً — أي في الألفية المتأخرة من العصر الباليوليثي هذه اللوحات ليست مجرد زخرفة بل تُعتبر تعبيراً رمزياً عن علاقة الإنسان البدائي بالطبيعة، وربما أداءات طقسية أو سرداً لخبرات صيد جماعية أو تشاركاً معرفياً داخل المجتمع القديم.
الأهمية العلمية والفنية
إعادة تعريف الذكاء الإبداعي للإنسان القديم تُظهِر لوحات لاسكو قدرةً على الملاحظة والتجريد والقدرة على التعبير البصري المعقد، ما يغير النظرة التقليدية إلى إنسان ما قبل التاريخ.
مادة للبحث في علم الاجتماع والثقافة شكلت الرسوم مصدراً لدراسات عن الرمزية والطقوس وطرق ترتيب المجتمع والصيد والبيئة في تلك الحقبة.
مرجع لتاريخ الفن يُنظر إلى لاسكو اليوم كأقدم أمثلة الفن التصويري المعقد الذي يمهّد لخطوات تطور اللغة البصرية لدى الإنسان.
التهديدات والحفاظ على الموقع
مع مرور الزمن، واجه الكهف تهديدات عديدة ناجمة عن التعرّض البشري والتغيّر البيئي: التأثير المباشر لزوار الكهف (رطوبة وتنفس وغازات)، تعرُّض الرسوم لآثار ثانوية من التعرّض الضوئي والميكروبيولوجي، وكذلك نمو أحياء دقيقة وفطريات في أوقات سابقة؛ ما أدّى إلى اتخاذ إجراءات صارمة للحماية.
بناءً على ذلك، أُغلِق الكهف أمام الجمهور في ستينيات القرن العشرين لحمايته من التلف.
نسخ ومراكز العرض كيف يزور الناس لاسكو اليوم؟
لحماية الأصل وإتاحة تجربة تعليمية للجمهور، طوّرت السلطات الفرنسية نسخاً دقيقة من الكهف:
لاسكو II نسخة مطابقة قُدمت للجمهور منذ ثمانينيات القرن الماضي، صنعت للسماح للزوار بمشاهدة تمثيلٍ دقيق للرسوم دون تعريض الأصل للضرر.
معارض متجوِّلة و”لاسكو III” معارض تصل إلى مدن ومتاحف عالمية لعرض نسخ أو صور مختارة.
مركز لاسكو الدولي لفن الكهوف (Lascaux IV) مجمّع سياحي وتثقيفي حديث يضمّ نموذجاً معاصراً من الكهف مع عروض تفسيرية ووسائط رقمية تشرح سياق الرسوم وتقنيات صناعة النسخة.
الجدل العلمي والأسئلة المفتوحة
لا تزال هناك أسئلة بحثية عديدة حول لاسكو: هل كانت الرسوم جزءاً من طقوس روحية؟ هل تُعدُّ خرائط صيد أو سجلات واقعية؟ ما هو تنظيم الرسم عبر الأجيال؟ كما يستمر الاختلاف بين العلماء حول أنماط التأريخ الطبقي داخل الكهف وما إذا كانت الأعمال قد نفذت على مراحل زمنية متباعدة.
جهود البحث الحديث والتقنيات الرقمية
في العقود الأخيرة، استفاد الباحثون من تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد والمسح الليزري والتحليل الكيميائي غير المدمر لفهم المواد المستخدمة وطرق التنفيذ دون التسبب في ضرر. هذه الأدوات تسمح بتوثيق دقيق وإجراء دراسات مقارنة مع كهوف ومواقع أخرى في أوروبا.
يمثل كهف لاسكو أكثر من مجموعة رسومات إنه مرآة لانسانية غابرة تُظهر قدرة الإنسان على التعبير الفني والرمزي قبل آلاف السنين. إن حماية تلك اللوحات وترجمتها للجمهور الحديث عبر النسخ المتقنة والتقنيات الرقمية تضمن أن تبقى تلك الرسالة البصرية حية، وتمنحنا نافذة على عوالم سكنتها أيدٍ لمست الحجر والطين ورسم الأحياء كما كانوا يروها ويعبرون عنها.
وفي عالم سريع التغير، يظلُّ لاسكو تذكيراً أنّ ال
فن والرمز جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية عبر الزمن.
