بقلم د.نادي شلقامي
البيان الباذخ
تتزاحمُ الطاعاتُ على عتباتِ القبول، وتشرئبُّ أعناقُ العابدين ترقباً لرضا ربِّ العالمين، فكلُّ سعيٍ بشريٍّ ممتزجٌ بظنِّ الرجاء ومخافةِ الرد، إلا تراتيل الصلاةِ على المبعوثِ رحمةً للعالمين؛ فهي الواحةُ التي لا يَنْضبُ مَعينُها، والبابُ الذي لا يُوصدُ في وجهِ قاصديه.
إنَّ الصلاةَ على النبي ﷺ ليست مجردَ نسكٍ يُؤدَّى، بل هي ميثاقُ حبٍّ غليظ، وعروةٌ وثقى تربطُ الفاني بالباقي، والمذنبَ بالشفيع. هي العبادةُ التي بدأ اللهُ بها بنفسه، وثنّى بملائكةِ قدسه، وأيَّهَ بها للمؤمنين من جنسه، فاستحالتْ ميزابَ نورٍ يغسلُ أدرانَ القلوب من صدئها، وحرزاً يصونُ العبدَ من الكروب، وهي حبلُ الوريد المتصلُ بالعرش، تستمدُ العبدَ الضعيفَ بقوةِ الملك الجبار.
فالذنبُ يجعلنا ننكمشُ في زوايا الخجل، والصلاةُ على النبي ﷺ تجعلنا ننطلقُ في ميادين الأمل، لأنها تخرجنا من دائرة فِعْلنا الضعيف إلى دائرة فِعْلِه هو القويِّ الأمين. وفي هذا التقرير، نُبحرُ في لُججِ هذا الفضلِ العظيم، مستنبطينَ أسرارَ القبولِ من محكمِ التنزيل، ومقتفينَ أثرَ السنةِ الغراء، ومستضيئينَ بفهمِ السلفِ الأتقياء، لنثبتَ بالدليلِ والوجدان أنَّ الصلاةَ عليه ﷺ هي التجارةُ التي لن تبور، والعملُ الذي تشرقُ به الظلماتُ بنورٍ على نور.
— فتوحات الصلاة على النبي ﷺ
أولاً….المرتكز القرآني: التكريم الإلهي الأزلي
— النداء العلوي: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] هو إعلانٌ لسيادةِ المصطفى في الملكوتِ الأعلى قبل الأرض. إنها آيةٌ فريدةٌ جعلتْ الخالقَ يبدأ بنفسه قبل خلقه، ليُعلِمَ العبادَ أن الصلاةَ على النبي ﷺ ليست مجردَ تشريف، بل هي تشريفٌ وتكليفٌ معاً.
— وحدة العبادة: انفردت هذه العبادة بأنَّ الربَّ جلالُه فاعِلُها، والعبدَ مأمورٌ بها، مما يمنحها صبغة “القبولِ التكريمي” الذي لا يُرد؛ فالله لا يأمرُ العبادَ بتقديمِ هديةٍ لنبيه ثم يردُّها عليهم خائبةً.
— سر التفويض الإلهي: ومن أسرار القبول العظيمة أن العبد حين يصلي على النبي ﷺ يقول: “اللهم صلِّ على محمد”، أي: يا رب، أنا لا أملك لنبيك شيئاً، ولا أستطيع أن أوفيه عشر معشار ما يستحق، لكني أفوض أمر تكريمه إليك، أنت الذي تعلم قدره وتليق بكرمك، فصلِّ أنت عليه. هذه الالتفاتة التوحيدية في العطاء هي سر القبول الأسمى؛ لأن العبد فوَّض الأمر لصاحب الأمر، فكان الجزاء من جنس العمل.
ثانياً…. المرتكز النبوي: حتمية الجزاء ومضاعفة الأجور
— قانون العَشر: إنَّ مكافأةَ الصلاةِ الواحدةِ بعشرِ صلواتٍ من الله (وهي الرحمةُ المقرونةُ بالثناء في الملأ الأعلى) دليلٌ على انفتاحِ أبوابِ الإجابة بلا حدود. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا”.
— كفاية الهمِّ وغفران الذنب: كما في حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه حين قال: “يا رسول الله، إني أُكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟” فقال ﷺ: “ما شئت” قال: “الربع؟” قال: “ما شئت، وإن زدت فهو خير لك” قال: “النصف؟” قال: “ما شئت، وإن زدت فهو خير لك” … حتى قال: “فإني أجعل لك صلاتي كلها” قال: “إذن تُكفى همك ويُغفر لك ذنبك”. فهذا الحديث يجعل الصلاة على النبي ﷺ معادلاً موضوعياً لصلاحِ الدنيا (كفاية الهم) وصلاحِ الآخرة (غفران الذنب).
— العرض المباشر والرد النبوي: قال ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلامَ» [رواه النسائي وصححه الألباني]. تخيل أن الكلمات التي تخرج من فمك في غرفتك المظلمة، لا تذهب هباءً، بل يحملها ملك من ملوك الرحمن، ويسير بها في موكب علوي، ويضعها بين يدي الحبيب ﷺ. ثم يرد هو ﷺ السلام عليك باسمك وصفتك. وهذا العرضُ يقتضي الاستبشارَ والردَّ منه ﷺ، وهو من لا يُردُّ دعاؤه.
ثالثاً..المشهد السلفي: الصلاة على النبي ﷺ ملاذُ العارفين
— كان الصحابةُ والتابعون يَرَوْن فيها “ترياقاً” للمحن؛ فكانوا يهرعون إليها عند انسدادِ الآفاق، وشدة الابتلاء، يقيناً منهم أنَّ العملَ المتصلَ بالجنابِ النبوي لا يُردُّ خائباً.
— يُروى عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: “كان أصحاب الحديث إذا اشتد بهم الأمر أو نزلت بهم نازلة، جأروا إلى الصلاة على النبي ﷺ، وقالوا: هي وسيلتنا إلى الله بنبيه، فتكشف عنا الغُمَّة”.
— وأدرك السلفُ أنَّ الصلاةَ على النبي ﷺ هي “زكاةُ الأعمال” التي تُطهّرُ ما شابَ بقيةَ العباداتِ من تقصير. فكما أن الزكاة تطهر المال، فالصلاة على النبي تطهر العمل. تخيل أن الأعمال الصالحة كالدراهم، والقلوب كالأيدي الفارغة. الصلاة على النبي ﷺ هي الذهب الخالص الذي لو وضعته في يدك، لجعل الدراهم النحاسية (بقية الأعمال) تبدو كأنها ذهب. أي أنها تُحسِّن صورة العمل كله عند الملك الجبار.
رابعاً…الرؤية الفقهية والعرفانية للأعلام
— الإمام ابن القيم: اعتبرها في كتابه “جلاء الأفهام” مفتاحاً لكلِّ خير، وباباً لنيلِ شفاعةِ المصطفى، وقال: “إنها توجب للعبد محبة النبي ﷺ، ومحبة النبي توجب محبة الله، ومن أحب الله ورسوله فاز بالسعادة الأبدية”.
— الشيخ ابن باز وابن عثيمين: أكدوا على وجوبها في كل وقت، واستحبابها المؤكد في الجمع والمواسم، معتبرين إياها من أعظمِ القرباتِ التي يلهجُ بها اللسان، ومن أنجى وسائل تفريج الكربات.
— السر في القبول: ذهب بعضُ أهلِ العلم إلى أنَّ الصلاةَ على النبي ﷺ مقبولةٌ قطعاً؛ لأنها متعلقةٌ بحقِّ المصطفى ﷺ، واللهُ يُكرمُ نبيه بقبولِ هدايا أمته إليه. ومن أين للرد أن يدخل، وقد أمر بها الرسل، وتولاها رب العالمين بنفسه، وتنزَّهت عن شوائب الرياء لأنها محض حبٍّ وتعظيم؟
وختاما…فصل الخطاب ورنة الوداع: في رحاب من لا يُردّ له دعاء
وصفوةُ القولِ ومُنتهاه، إنَّ الصلاةَ على النبي ﷺ هي الملاذُ الآمنُ في زمنِ الفتن، والبلسمُ الشافي لجراحِ النفوسِ المثقلةِ بالأوزار. إننا أمامَ عبادةٍ خُصَّت بالجمالِ والجلال، فلا يلهجُ بها لسانٌ إلا وطابَ ذكرُه، ولا ينبضُ بها قلبٌ إلا واستنارَ فكرُه. هي الهديةُ التي نرفعُها إلى السماء، فتعودُ علينا سحائبَ من الرحماتِ والبركات.
وإذا كان لنا أن نُنهي هذه السطور، فإن سطور العشق النبوي لا تنتهي. لقد وقفنا على شاطئ بحرٍ من أسرار الصلاة على النبي ﷺ، فإذا بنا نرى أنفسنا لم نبلل بعد أقدامنا في محيطه. إنها العبادة التي تجعل من تراب الأرض ترياقاً، ومن همسات البشر زبوراً، ومن لحظات الفناء خلوداً.
فيا من كلَّت الأقلام عن مدحه، وعجزت العقول عن وصف قدره، صلى الله عليك وسلم تسليماً كثيراً.
يا أيها القارئ، لا تجعل علاقتك مع النبي ﷺ مجرد ذكر عابر، بل اجعلها دبيبَ الروح في مسام الجسد. صلِّ عليه صلاةً تذوب بها ذنوبك، وتُحَلُّ بها عُقدك، وتُقضى بها حاجتك. واعلم أنك إن أهديته وَقْتاً من لسانك، أهداك عمراً من الامتنان.
فيا باغيَ القبول، ويا طالبَ الوصول، اجعل من “الصلاةِ عليه” دِثاراً لروحك، وشعاراً ليومك، واعلم أنَّ رباً أمرك بها، ونبياً سُرَّ بها، وملائكةً تنقلها لك، لن يتركوك في فيافي الضياع.
فاللهم اجعلنا من المكثرين منها، والمخلصين فيها، والمحشورين تحت لوائه ﷺ، ما تعاقبَ الليلُ والنهار، وما غردَ طيرٌ واستغفرَ بار.
