بقلم د.نادي شلقامي
لطالما كانت الصلاة في الإسلام ركناً يجمع بين العبادة الروحية والمنفعة الدنيوية. وفي هذا السياق، تبرز صلاة الصبح (الفجر) بمكانة خاصة، فهي ليست مجرد فريضة، بل هي مفتاح للبركة في الرزق والوقت، ومحفز عظيم للنشاط البدني والعقلي للإنسان، كما يتجلى في توجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية وقول السلف الصالح.
أولا…. الصلاة كرياضة متكاملة في المنظور الإسلامي
يصف العلماء الصلاة بأنها “رياضة بدنية وروحية عظيمة”، إذ تجمع حركاتها من قيام وركوع وسجود وجلوس على حركات وتمارين هادئة ومدروسة تفوق في تكاملها العديد من الرياضات المعاصرة. وهذه الحركات:
1- تنشط الدورة الدموية وتوسع الشرايين والأوردة.
2- تقوي العضلات وتزيد مرونة المفاصل وتقي من التيبس والالتهابات المفصلية.
3- تناسب جميع الفئات العمرية والحالات الصحية، بخلاف بعض الرياضات التي قد تمنع عنها فئات معينة.
4- تُكرر خمس مرات يومياً، مما يوفر استمرارية في الحركة لا تتوفر في كثير من الأنشطة الرياضية الأخرى.
ثانيا…. بركات الفجر في القرآن والسنة:
( دعوة للبكير والنشاط)
إن ارتباط صلاة الفجر بالنشاط والحيوية مستمد من النصوص الشرعية التي تبرز مكانة هذا الوقت المبارك:
1- الوعد بالبركة والنشاط.
في السنة النبوية، نجد الدعوة الصريحة للبكير (التبكير في بدء اليوم والعمل) كعامل أساسي للبركة والنشاط:
1-1- دعاء النبي ﷺ: قال رسول الله ﷺ: “اللهم بارك لأمتي في بكورها” (رواه الترمذي وأبو داود). وهذا الدعاء يشمل كل من يبدأ يومه مبكراً بطاعة الله وعمله، وفي مقدمتهم من يصلي الفجر، مما يعود عليه بالبركة في رزقه، وفيما ينجزه من عمل ونشاط بدني.
1-2- طرد الكسل والخمول: كما بيّن ﷺ الأثر السلبي للنوم عن الصلاة، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ” (متفق عليه).
1-3- إن أداء الصلاة يفك عقد الكسل، ويضمن للمسلم أن يصبح “نشيطاً طيب النفس”، وهي حالة نفسية وبدنية مثلى لبدء أي نشاط رياضي أو عملي.
2. وقت مبارك مشهود
أقسم الله تعالى بـ “الفجر”، كما أشار إلى خصوصية صلاة الفجر في قوله:
2-1- قال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء: 78).
2-2- فسر الإمام السعدي وغيره أن “قرآن الفجر” هو صلاة الفجر، وأنها “مشهودة”؛ تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. وهذا الحضور الملائكي يضفي على الوقت بركة وطاقة إيمانية وروحية تنعكس على قوة المسلم ونشاطه في يومه.
3- الكورتيزون والأوزون:
(علم يوافق الشرع)
العلوم الحديثة كشفت عن أسرار بيولوجية وفسيولوجية تتوافق مع فضل صلاة الفجر:
أ- هرمون الكورتيزون (هرمون الحياة): تُفرز الغدة الكظرية أعلى نسبة من هرمون الكورتيزون في الدم وقت الصباح الباكر، وهو هرمون حيوي يعمل على زيادة فعاليات الجسم وينشط حركاته بشكل عام، ويزيد نسبة السكر في الدم لتزويد الجسم بالطاقة اللازمة. الاستيقاظ لأداء الصلاة يتوافق تماماً مع ذروة إفراز هذا الهرمون، مما يمنح الجسم دفعة طبيعية من القوة والحيوية والنشاط لمواجهة متطلبات اليوم.
ب- غاز الأوزون: تكون نسبة غاز الأوزون (O_3) في الجو أعلى ما يمكن عند الفجر، وتقل تدريجياً حتى تضمحل عند الشروق. ولهذا الغاز تأثيرات مفيدة على الجهاز العصبي والمشاعر النفسية، كما أنه ينشط العمل الفكري والعضلي. المشي إلى المسجد واستنشاق هذا الهواء النقي الغني بالأوزون يُعَدُّ تنشيطاً طبيعياً للجهاز العصبي.
ثالثا… كلمة السلف الصالح:
( معيار التفريق بين النشاط والكسل)
كان السلف الصالح يرون في صلاة الفجر معياراً للإيمان الصادق والمجاهدة للنفس، ولذلك وصفوها بما يدل على فضلها وعظيم أثرها على يوم المسلم ونشاطه:
1- ابن مسعود رضي الله عنه قال: “ما كان يتخلف عنهما –أي الفجر والعشاء– إلا منافق معلوم النفاق”. (أثر صحيح).
2- حرص الصحابة والسلف على الفجر كان لِما يورثه التخلف عنها من خمول وكسل وضياع بركة اليوم، فضلاً عن الوعيد الشديد.
3- ابن القيم رحمه الله في “الطب النبوي” ذكر أن: “نومة الصبح تمنع الرزق لإنّه وقت تُقسم فيه الأرزاق”.
4- فقدان بركة الرزق المعنوية والمادية بسبب النوم عن صلاة الفجر، يُقابلها نيل البركة لمن يحرص عليها، مما يجعله أكثر نشاطاً وقدرة على السعي في طلب الرزق.
5- القرطبي في تفسيره لقوله ﷺ: “من صلّى الصبح فهو في ذمّة الله”، أي في أمان الله وحفظه.
— هذا الأمان والحفظ من الله تعالى يمنح المصلي سكينة وطمأنينة نفسية، ترفع عنه التوتر والإجهاد النفسي، وتزيد من تركيزه وقدرته على الإنجاز، وهو أساس النشاط العقلي الذي يسبق أي نشاط رياضي أو جسدي.
رابعا… دراسات علمية حديثة:
(تعزيز الأداء الرياضي والصحة النفسية)
تؤكد الدراسات الحديثة ما جاءت به الشريعة عن فضل التبكير، خاصة في مجالات الصحة النفسية والقدرة على الأداء والتركيز، والتي تمثل الأساس لأي نشاط رياضي ناجح:
1- التأثير على المزاج والصحة النفسية:
1-1— تحفيز هرمون السعادة (السيروتونين):
— أشارت دراسات علمية إلى أن الاستيقاظ المبكر يتيح فرصة أكبر للتعرض لضوء الصباح الطبيعي، والذي يحفز إنتاج هرمون السيروتونين.
— السيروتونين، المعروف بهرمون السعادة، يساعد على بدء اليوم بحالة من “طِيب النفس والنشاط” و يقلل من احتمالية الإصابة بالاكتئاب.
1-2- الشعور بالسيطرة وتقليل التوتر:
— المستيقظون باكراً لديهم وقت إضافي وهدوء للتخطيط والتنظيم لمهام اليوم قبل بدء ضغوط العمل.
— هذا الشعور بالسيطرة يقلل من مستويات التوتر والقلق، ويزيد من الرضا النفسي، مما يوفر طاقة أكبر موجهة بشكل فعال نحو النشاط البدني أو الرياضي.
2. تحسين الأداء الرياضي والتركيز:
2-1- ضبط الإيقاع البيولوجي (الساعة البيولوجية):
— الالتزام بروتين ثابت للاستيقاظ المبكر (مثل وقت الفجر) يضبط الإيقاع اليومي الطبيعي للجسم البشري.
— هذا التوافق يضمن عمل وظائف الجسم في أفضل حالاتها، مما يؤدي إلى تحسين في تواتر الأيض (الاستقلاب) وجودة الأداء العام.
2-2- زيادة التركيز المعرفي والانتباه:
— أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يستيقظون باكراً يتمتعون بـ ميزة في الانتباه والتركيز المعرفي.
— هذا التركيز الذهني هو عنصر حاسم في أي نشاط رياضي يتطلب قرارات سريعة ودقيقة ومهارات حركية معقدة.
الخلاصة: (الفجر محطة شحن متكاملة)
إن صلاة الصبح هي بحق محطة الشحن الروحية والبدنية التي تُطلق الإنسان المسلم نحو يومه بقلب سليم وجسم نشيط وعقل متيقظ. فمن خلالها يجمع المسلم بين:
1- المكاسب الروحية: كالحفظ في ذمة الله والنور التام يوم القيامة.
2- الفوائد البدنية: كالحركات الرياضية الهادئة التي تنشط الدورة الدموية وتزيد ليونة المفاصل.
3- المزايا الصحية: كالتوافق مع الذروة البيولوجية لإفراز هرمون الكورتيزون واستنشاق هواء الفجر الغني بالأوزون.
النداء الأخير: إن الاهتمام بهذه الفريضة العظيمة ليس مجرد التزام ديني، بل هو استثمار حقيقي في الصحة البدنية والنفسية، وبناء لشخصية قوية ومنتجة، وهو ما يسعى إليه كل إنسان في زماننا.
