كتبت /دارين محمود
سبحان من جعل في خفاء الأمواتِ حياةً للقلوب، وفي استتار المواقيت بعثاً للهمم. إن المتأمل في “عدم ثبوت الرؤية” ليلة الشك، وفي “خفاء ليلة القدر” بين تضاعيف العشر الأواخر، يدرك أن الحكمة الإلهية لا تقتصر على تحديد المواقيت، بل تمتد لتصنيع “الحالة الإيمانية” التي يتقلب فيها العبد بين الصبر والشوق.
أولاً: حكمة الحجب.. حين يغيب الهلال ليزهر اليقين
عندما تغيب رؤية الهلال ويُتم المسلمون العدة، لا يكون ذلك مجرد “يوم إضافي” في التقويم، بل هو امتحان التسليم. فالله عز وجل يريد من عبده أن يعبده بـ”اليقين” كما يعبده بـ”الرؤية”.
عبودية الانتظار: إن ليلة الشك والتحري تخلق في الأمة حالة من الوحدة الوجدانية، حيث تتجه الأبصار كلها نحو السماء، وفي هذا الترقب تنقية للنفس من الرتابة، واستحضار لعظمة الشعيرة.
الخيرة في العدة: قد يكون في عدم ثبوت الرؤية رحمة خفية؛ ليرتاح الجسد يوماً إضافياً استعداداً للسباق الطويل، أو ليزداد الشوق فيشتعل العزم عند أول سجدة في التراويح.
ثانياً: دلالة اختلاف العشر وخفاء “ليلة القدر”
أما ليلة القدر، تلك التي هي خير من ألف شهر، فقد اقتضت الحكمة الربانية أن تظل “نوراً مستوراً” في غياهب العشر الأواخر. وهذا الإخفاء له دلالات بالغة العمق:
استدامة الطاعة: لو عُلمت ليلة القدر بعينها، لاقتصرت همم المقصرين عليها، ولفتُرت العبادة في سائر الشهر. لكن الله أراد أن يرى من عباده “نَفَسَاً طويلاً” في العبادة، فأخفاها ليكون الشهر كله ليلة قدر في عين المشتاق.
اصطفاء المجتهدين: إن خفاء الليلة هو الفارق الجوهري بين “المحب” و”الأجير”. فالمحب يبحث عن مرضاة ربه في كل ليلة من العشر، لا يبالي أكانت هي الليلة أم غيرها، بينما يكتفي الأجير بظاهر الحساب.
تعدد المطالع وتعدد الرحمات: اختلاف رؤية الهلال الذي يتبعه اختلاف في تحديد “الأيام الوترية” بين الأقطار، ليس تشتتاً بقدر ما هو توسيع لفرص المغفرة. فرب ليلة وترية في بلد هي زوجية في آخر، مما يجعل الأرض قاطبة تضج بالقيام والتبتل على مدار ساعات أطول، وكأن الكون كله يدخل في “نوبة حراسة إيمانية” لا تنقطع.
الخاتمة: حكمة التدبير في تفاوت التقدير
إن الله عز وجل لم يجعل العبادات قوالب جامدة تُؤدى بالآلات، بل جعلها مواسم يكتنفها شيء من “الخفاء” ليظل العبد في حالة افتقار دائم. فعدم ثبوت الهلال يعلمنا الأدب مع القدر، وخفاء ليلة القدر يعلمنا الصدق في الطلب.
هي دعوة ربانية لنرتقي من “رؤية الأبصار” التي قد تحجبها السحب، إلى “رؤية البصائر” التي لا يحجبها عن الله شيء.
