بقلم/ نجده محمد رضا
لم يعد الذباب الإلكتروني مجرد ظاهرة رقمية هامشية، بل أصبح آلة هائلة للسيطرة المعرفية تمزج التقنية مع الهندسة النفسية.
خلف الشاشات تعمل منظومة مركزة خوادم توجه أوامرها إلى شبكات من الحسابات الوهمية والروبوتات المبرمجة، فتتحول الشاشات إلى ساحات معارك نفسية تُدار وفق خطط محكمة.
تبدأ العملية برصد دقيق
جمع بيانات عن المجموعات والاتجاهات والمواضيع الساخنة، ثم تحليل نقاط الضعف والانفعالات المحتملة لدى الجمهور. تُصاغ الرسائل وفق منحنى عاطفي يضغط على مفاتيح الخوف أو الغضب أو التعاطف، وتُطلق الدفعات الزمنية بحيث تتلاقى موجات النشر لتخلق انطباعًا جماهيريًا مصطنعًا.
الأدوات تقنية لكن الهدف إنساني؛ صياغات متكررة، صور ومقاطع مرئية مفبركة، وأصوات ممثلة تقنع العين والأذن بوقائع لم تحدث. خوادم تحكّم تُنسّق توقيتات النشر، وتُراقب ردود الفعل لحظيًا، فتعدل شدة الهجوم ووجهته وفق بيانات التفاعل. الشبكة تضخ إشارات اجتماعية مزيفة: حسابات داعمة، صفحات مؤثرة وهمية، وتعليقات متشابهة تخلق ما يُسمى شرعية وهمية.
القدرة الحاسمة لهذا النظام تكمن في تحويل المتلقي إلى ناشر. حين تلتقي الرسالة بمزاج القارئ، يتحول الأخير لداعم لا واعٍ، يعيد النشر ويمنح الموجة سمعة يزدهر بها التضليل هنا يكمن الخطر ليس في القول الكاذب، بل في قدرته على التكاثر عبر البشر أنفسهم.
الاستغلال يمتد من تشويه سمعة جهات وأفراد إلى ابتزاز مالي وشن حملات اقتصادية تستهدف أسواقًا ومؤسسات كذلك تُستخدم الشبكات لتهيئة المناخ الإعلامي لصالح أجندات سياسية أو تجارية. النتائج فورية وآثارها طويلة: ثقة تنهار، أسواق تتضرر، وقرارات عامة تتبدل تحت ضغط وهمي.
مؤشرات الوجود واضحة للمراقب الحصيف انفجار في النشر خلال ساعات، صياغات متطابقة عبر حسابات متعددة، دخول دفعات من الحسابات الجديدة، وروابط توجه إلى منصات مجهولة تترك الحملة أثرها بسرعة؛ إذ تتنقل الشبهات من زاوية صغيرة إلى ساحة عامة وتُحوّل الحياد إلى موقف.
إن مواجهة هذا الجهاز تتطلب درعًا معرفيًّا وإجراءات تقنية وسياسية متزامنة إن لم تُكشف شفرات التحكم وتُجرد المنظومة من أدواتها، فسوف تستيقظ المجتمعات على واقع تمتزج فيه الصورة بالزيف، ويفقد الناس قدرة التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُشيَّد رقميًا.
ويبقى السؤال من يتحكم في هذا الجهاز؟
