كتبت ..دارين محمود
لم يكن الذهب في مصر مجرد معدن ثمين؛ لقد كان ركنًا أساسيًا في البنية الاجتماعية، وتحديدًا في طقوس الزواج. فـ “الشبكة”، وهي الهدية الذهبية المقدمة للعروس، كانت تقليدًا راسخًا يمثل ضمانًا ماديًا للزوجة ورمزًا للارتباط والتقدير، تنتقل عادة من جيل إلى جيل. لكن هذا البريق بدأ يخفت في ظل موجة تضخمية عاتية. اليوم، لم يعد غريبًا أن تسمع عن عرائس يوافقن على “شبكة صيني”، أو تكتفين بخاتم ودبلة فقط، بينما تشهد الأسر المصرية قصص تضحية قاسية، كالأم التي باعت مدخراتها الذهبية، والتي جمعتها على مدار سنوات، لتتمكن من تغطية مصاريف زواج ابنها أو لتسديد فواتير علاجه. تحولت العادات الاجتماعية فجأة، وصار السؤال المطروح في كل بيت: “هل يمكن الاستغناء عن الذهب؟” بالنسبة للكثيرين، الإجابة باتت “نعم” بحكم الضرورة، ما يمثل تحولًا جذريًا في ثقافة لم تكن تتخيل العيش بدون الذهب.
جنون الأسعار.. الدولار يحكم اللعبة
شهدت أسعار الذهب في السنوات الأخيرة قفزات غير مسبوقة. فبين ليلة وضحاها، صار المعدن الأصفر يتسابق مع العملات في صعوده، ما يثير تساؤلات حول المتحكم الحقيقي في هذا الارتفاع الجنوني. يجمع الخبراء والمحللون على أن السبب الأبرز محليًا هو سعر صرف الدولار في السوق الموازية، بالإضافة إلى حركة السوق العالمية التي تدفع الأسعار لأعلى. لكن جزءًا كبيرًا من الأزمة محليًا يعود إلى شح المعروض الناتج عن صعوبة الاستيراد، وهو ما فتح الباب أمام المضاربات القوية.
يقول “أحمد”، وهو تاجر صاغة في منطقة الصاغة بالقاهرة، متحسرًا: “لم يعد البيع والشراء طبيعيًا، بل أصبح أشبه بمراهنة يومية. السوق يعاني من ندرة، والناس تتهافت على الشراء بدافع الخوف من مزيد من الارتفاع، ما يخلق حلقة مفرغة من زيادة الأسعار”. هذا الواقع الصعب دفع المصريين لابتكار بدائل، فظهر “الذهب المستعمل”، أو ما يُعرف بـ “المكسور”، كبديل شعبي يهرب من أسعار “المصنعية” المرتفعة للذهب الجديد، ليصبح الملاذ لمن لا يستطيعون تحمل التكلفة الكلية للذهب البكر.
الذهب أونلاين: سوق بلا حارس
مع التطور التقني والهرب من محال الصاغة، نشأت سوق موازية للذهب على الإنترنت. صفحات فيسبوك ومجموعات تيليجرام تَعِد ببيع سبائك بأسعار تنافسية أو حتى “ذهب رقمي” كأداة استثمار. لكن هذا السوق يعج بالمخاطر، حيث تنتشر قصص بيع سبائك وهمية أو مغشوشة دون أي رقيب.
يحذر الخبراء بشدة من هذا المسار. “خالد”، محلل في أسواق المعادن، يؤكد: “لا توجد حتى الآن تشريعات واضحة تنظم عملية بيع الذهب والمعادن الثمينة عبر الإنترنت في مصر. غياب الرقابة يفتح الباب أمام عمليات نصب منظمة، خاصة مع انتشار مصطلحات مثل “الذهب الرقمي” التي قد تكون غطاء لعمليات احتيال تستغل رغبة المواطنين في تحقيق مكاسب سريعة”. المستهلك هنا يكون في مواجهة المحتال بلا حماية قانونية تذكر.
الاقتصاد الشعبي يتبدّل: الوداع أيها الملاذ الآمن؟
اعتاد المصريون على رؤية الذهب كـ “الملاذ الآمن” التقليدي، وعاء الادخار الذي يحفظ قيمة أموالهم من التضخم. لكن مع جنون الأسعار، صار الادخار بالذهب أمرًا صعبًا على الطبقات المتوسطة وما دونها.
هذا التغيير دفع المواطنين للبحث عن بدائل. “فاطمة”، ربة منزل، تقول إنها وزوجها لم يعودا قادرين على شراء سبائك أو جنيهات ذهب، لذا “اتجهنا إلى شراء شهادات البنوك ذات العائد المرتفع، ونحتفظ ببعض المدخرات في صورة دولارات، فالذهب لم يعد في متناول اليد”.
هل فقد الذهب مكانته كـ “الملاذ الآمن”؟ يجيب الخبير الاقتصادي، “د. محمود”: “الذهب ما زال يحافظ على قيمته على المدى الطويل كأداة للتحوط من التضخم العالمي، ولكنه فقد صفة سهولة الوصول للمواطن العادي. محليًا، يمكن القول إن جاذبيته الاستثمارية تراجعت أمام عروض البنوك القوية في بعض الفترات، وأمام جاذبية الدولار كمخزن للقيمة في ظل تقلبات سعر الصرف”.
بين الدولة والمواطن: صراع الرقابة والاحتكار
تثار بشكل دائم تساؤلات حول وجود احتكار من قبل كبار التجار والمستوردين في سوق الذهب، وهو ما قد يفاقم الأزمة. في المقابل، يُنظر إلى مصلحة الدمغة والموازين كخط الدفاع الأول عن المستهلك، وهي الجهة المسؤولة عن فحص الذهب والتأكد من عياره ووزنه ودمغه قبل طرحه في الأسواق.
يقول مسؤول سابق في مصلحة الدمغة والموازين (اشترط عدم ذكر اسمه): “الرقابة موجودة، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب اتساع السوق ودخول أشكال جديدة للتداول، مثل البيع الإلكتروني الذي يصعب ضبطه”. ويضيف: “الشكاوى تتزايد بشأن غش العيار في الذهب المشغول، ونحاول قدر المستطاع تضييق الخناق على المخالفين”.
لتنظيم السوق وحماية المستهلك، يقترح الخبراء ضرورة إصدار تشريعات جديدة لتقنين ومراقبة التجارة الإلكترونية للذهب، وتفعيل آليات لمنع المضاربات في السوق الموازي، وزيادة الرقابة على عيار الذهب المستعمل والذهب المستورد لضمان حصول المواطن على حقه كاملًا دون التعرض للغش.
وجوه إنسانية تحكي مرارة الأزمة
في خضم الأرقام والأسعار، تبقى القصص الإنسانية هي الشاهد الأقوى على تأثير الأزمة. “هدى” (45 عامًا) اضطرت لبيع كامل مصوغاتها، بما فيها “شبكتها” التي تحتفظ بها منذ عشرين عامًا، لعلاج ابنها الذي يحتاج لجراحة عاجلة. تقول بعيون دامعة: “كان الذهب هو الأمل الأخير، بعته لأجل الحياة”.
على الجانب الآخر، اضطر “يوسف” (28 عامًا)، وهو شاب يعمل مهندسًا، إلى إلغاء خطوبته بعد مطالبة عائلة العروس بشبكة تجاوز سعرها ميزانيته بثلاثة أضعاف. يقول يوسف: “لم أكن أطلب المستحيل، لكنهم رأوا الذهب كاستثمار وليس كرمز للحب. فضلت الانسحاب على أن أبدأ حياتي بديون لا أقدر عليها”.
أما “عم حسين”، وهو حرفي صاغة في الستين من عمره، يشكو من الركود في محله رغم ارتفاع الأسعار: “الناس تشتري السبائك لتخزين القيمة، لكن حركة الذهب المشغول توقفت تقريبًا. أيدينا لا تعمل، وهذا مؤلم لحرفي مثلي قضى عمره في صياغة الجمال”.
تلك القصص تروي واقعًا جديدًا للذهب في مصر؛ واقع تحوّل فيه الذهب من رمز للزينة والارتباط إلى عنوان للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تضغط على كاهل الملايين.
بريق يصدأ: كيف تحوّل “الذهب” من شبكة للزواج إلى أزمة اقتصادية واجتماعية في مصر؟
1.5K
المقالة السابقة
