كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
هل يمكنك تخيّل أن تباع زهرة واحدة بثمن منزل فاخر؟ يبدو الأمر مستحيلًا، لكنه حدث فعلًا في القرن السابع عشر، حين اجتاحت هولندا موجة من الجنون تُعرف باسم “حمّى التوليب”، أول فقاعة اقتصادية في التاريخ.
البداية: زهرة قادمة من الشرق
دخلت زهرة التوليب إلى أوروبا عام 1554، عندما أرسل السفير النمساوي لدى السلطان العثماني أول بصيلات توليب إلى فيينا. ومن هناك، انتشرت سريعًا إلى مدن مثل أنتويرب وأمستردام.
وفي عام 1593، بدأ عالم النبات كارولوس كلوسيوس بزراعتها في “حديقة الأكاديمية” بمدينة لايدن الهولندية، ليكتشف أنها تتكيف جيدًا مع مناخ البلاد. سرعان ما أصبحت التوليب رمزًا للجمال والثراء، وبدأت طبقة التجار والأثرياء تتنافس على اقتنائها.
التوليب… رمز الثراء والمكانة
في ذلك الوقت، كانت هولندا تعيش ما يُعرف بـ”العصر الذهبي”، إذ ازدهرت التجارة مع جزر الهند الشرقية، وتضاعفت الثروات. وسط هذا الثراء، أصبحت زهور التوليب وسيلة لإظهار المكانة الاجتماعية، مثل المجوهرات اليوم.
أصبحت الأزهار الملونة متعددة الألوان نادرة جدًا، خاصة تلك التي كانت تُظهر أنماطًا مميزة سببها فيروس كسر التوليب، ما جعلها أكثر جمالًا وندرة — وبالتالي أغلى ثمنًا.
الازدهار… ثم الانهيار
في ثلاثينيات القرن السابع عشر، تحولت زراعة التوليب إلى تجارة ضخمة. وظهرت عقود آجلة لبيع الأبصال بأسعار خيالية، حتى وصل سعر بصيلة واحدة إلى عشرة أضعاف الدخل السنوي للعامل!
بدأ الناس يشترون ويبيعون الأبصال دون أن يروها حتى، معتقدين أن الأسعار سترتفع دائمًا. لكن في فبراير 1637، رفض بعض المشترين في مدينة هارلم دفع المبالغ المطلوبة، فتوقفت المبيعات فجأة، وانهارت الأسعار في أيام معدودة. خسر المزارعون والمضاربون كل شيء تقريبًا.
هل كانت حقًا فقاعة اقتصادية؟
يعتقد بعض المؤرخين أن ما حدث لم يكن فقاعة بالمفهوم الحديث، بل أزمة ناتجة عن ظروف سياسية واقتصادية معقدة، مثل الحرب والتقلبات التجارية. ومع ذلك، ظلّت “حمّى التوليب” تُذكر في الكتب الاقتصادية كأول مثال على جنون المضاربة الذي يتكرر عبر العصور.
تأثير دائم في الذاكرة والثقافة
رغم الانهيار، لم يفقد الهولنديون شغفهم بالزهور. وواصل الفنانين رسم لوحات لزهور التوليب لقرنين لاحقين، لكن خلال فترة قصيرة بعد الأزمة، كره الناس رؤية الزهور في بيوتهم لأنها ذكّرتهم بالخسارة.
أعاد المؤرخ تشارلز ماكاي في القرن التاسع عشر سرد القصة في كتابه الشهير “جنون الحشود وخدع الجماهير”، لتصبح “حمّى التوليب” مثالًا كلاسيكيًا يُستشهد به كلما تحدّث العالم عن فقاعة اقتصادية — من الإنترنت إلى العملات الرقمية.
