نهاد عادل
التنمر هو أحد أشكال العنف الذي يمارسه طفل أو مجموعة من الأطفال ضد طفل أخر أو إزعاجه بطريقة متعمدة ومتكررة. وقد يأخذ التنمر أشكالا متعددة كنشر الإشاعات أو التهديد أو مهاجمة الطفل المتنمر عليه بدنيا أو لفظيا أو عزل طفل ما بقصد الإيذاء أو حركات وأفعال أخرى تحدث بشكل غير ملحوظ.
كانت المدارس دوما مرآة المجتمع ومختبرا لبناء الشخصيات لكن في السنوات الأخيرة شهدنا تغيرا مقلقا و هو تصاعد حالات العنف داخل المدارس وانتقالها إلى مراحل عمرية صغيرة رياض الأطفال و المرحلة الإبتدائية
و قد أصبح المجتمع يتساءل لماذا صار تلميذ المرحلة الابتدائية يهاجم زميله بضراوة؟
هل فشلت الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم أن هناك عوامل جديدة تسللت إلى عالم الطفولة وصنعت جيلا يغضب سريعا ولا يملك أدوات التصرف السليم أمام الضغوط؟
و تشير تقارير مرصد الأزهر إلى أن أكثر من 70% من أطفال مصر يتعرضون للتنمر والعنف داخل المدارس وهي نسبة صادمة تكشف حجم الخطر الذي يهدد الأجيال الصغيرة فبعد أن كانت مشاهد العنف تقتصر على طلاب الثانوية أصبحت اليوم تشمل تلاميذ الابتدائي بل ورياض الأطفال في تحول خطير يستدعي الوقوف أمام أسبابه الحقيقية.
يؤكد الأستاذ سيد العدوي أخصائي اجتماعي بإحدى المدارس الإبتدائية أن العنف المدرسي لم يعد ظاهرة محصورة في فئة عمرية أو اجتماعية بعينها بل أصبح سلوكا متكررا في مدارس مختلفة المستويات.
و الأخطر كما يقول ” العدوي “أن بعض أولياء الأمور أصبحوا جزءا من المشكلة دون قصد إذ يشاهدون الفيديوهات العنيفة أمام أبنائهم أو يتركونهم ساعات طويلة أمام الشاشات دون رقابة أو توجيه مما يجعل الطفل يكتسب سلوكيات عدوانية مبكرا ويحول ما يشاهده إلى ممارسات واقعية داخل المدرسة.
و أضاف الاستاذ ايهاب عبد السلام معلم رياضيات بمدرسة ابتدائي أنه في ظل نقص المعلمين واعتماد بعض المدارس على نظام “العمل بالحصة” تحوّلت العلاقة بين الطالب والمعلم إلى علاقة مصلحية لا تربوية.كما أن غياب التدريب التربوي جعل كثيرا من المعلمين يفتقدون مهارات التعامل النفسي مع الأطفال خصوصًا في المراحل الأولى التي تحتاج إلى صبر ووعي عميق.
ورغم إلزام اللوائح بوجود أخصائيين اجتماعيين ونفسيين إلا أن الواقع يقول غير ذلك. ففي مدارس تضم عشرات الفصول يتولى أخصائي واحد جميع المهام مما يجعله غير قادر على أداء دوره الحقيقي. وغالبًا ما يكلف بمهام ثانوية فتغيب الحصص الإرشادية والدعم النفسي الحقيقي للتلاميذ.
و يؤكد الأستاذ سمير شاهين معلم لغة عربية بمدرسة ابتدائي أنه لا يمكن تجاهل دور الإعلام في تكوين السلوك العدواني لدى الأطفال فالكثير من المسلسلات والأفلام تُظهر المجرم أو البلطجي في صورة البطل القوي بينما تضعف من صورة الملتزم بالقانون.
وحين يرى الطفل هذا النموذج يوميا يتشبع بفكرة أن القوة والعنف طريق إلى الاحترام والهيبة فيبدأ في تقليده داخل مدرسته ومجتمعه الصغير.
ويشير سمير شاهين إلى أن الطفل الذي يتعرض للعنف قد يتحول بدوره إلى شخص عنيف لا بدافع الشر بل بدافع الانتقام.
فما إن يشعر بالعجز أمام زميل أكبر منه حتى يسعى إلى تفريغ غضبه في طفل أصغر أو أضعف. وهكذا تستمر دائرة العنف بلا توقف مولدة أجيالا تحمل مشاعر الغضب بدلا من قيم التعاون والاحترام.
و أضافت الأستاذة بسنت أحمد
معلمة لغة عربية بمدرسة ابتدائية أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يجب أن يعتمد على العقاب وحده بل على التأهيل النفسي والتربوي أولًا.فالطفل يحتاج إلى من يعيد له ثقته بنفسه ويكتشف مواهبه ويشعره بأن التفوق العقلي أهم من القوة الجسدية.
كما ينبغي أن يحصل الطفل المتعرض للتنمر على حقه رسميا داخل المدرسة وأن يعاقب المتنمر علنًا لردع الآخرين.
أما الطفل المتنمر نفسه فيجب أن يخضع لتأهيل نفسي وسلوكي أولًا وإن لم يستجب يمكن اللجوء إلى العقوبات التدريجية مثل الفصل المؤقت ثم النهائي.
فالعنف المدرسي لم يعد مجرد سلوك فردي بل مشكلة مجتمعية متشابكة.فعندما تغيب الأسرة عن المتابعة وتتراجع المدرسة عن دورها التربوي وتُسهم الدراما في تمجيد العنف يصبح الطفل ضحية لهذه المنظومة بأكملها.
إن مواجهة الظاهرة لا تتطلب فقط لوائح وعقوبات بل ثورة تربوية وإعلامية شاملة تعيد بناء الإنسان من جديد.
فالمدرسة ليست مكانًا للتلقين فقط بل المعمل الأول لتشكيل العقول والقلوب وإذا فشلنا في حمايتها من العنف فلن يكون المستقبل أكثر أمنًا
