بقلم: مريم أحمد
في عام 1798، أبحر نابليون بونابرت من ميناء طولون الفرنسي في سرية تامة. لم يكن هدفه الحقيقي، كما زعم، محاربة المماليك الذين ظلموا المصريين، بل كان يسعى إلى قطع الطريق بين إنجلترا ومستعمراتها في الهند، وتعويض فرنسا عن مستعمراتها المفقودة بإنشاء مستعمرة جديدة في الشرق تكون مصر مركزها.
مرَّ نابليون بجزيرتي مالطة وكريت، ثم وصل إلى الإسكندرية، فواجه مقاومة باسلة من أهلها بقيادة محمد كُريم. ورغم صمود المدينة، سقطت في النهاية، وأُعدم محمد كُريم رميًا بالرصاص في سبتمبر 1798، فكان أول شهيد في مواجهة الاحتلال الفرنسي.
تابع نابليون تقدمه نحو القاهرة، ووقعت في طريقه معركتان حاسمتان: شبراخيت وإمبابة، انتهتا بهزيمة المماليك وفرار مراد بك إلى الصعيد وإبراهيم بك إلى الشام. لم تكن خيول المماليك قادرة على مواجهة مدافع الفرنسيين الحديثة، فمال ميزان القوة لصالح نابليون.
لكن البحر لم يكن حليفًا له؛ ففي معركة أبي قير البحرية دمّر القائد الإنجليزي نلسون الأسطول الفرنسي، وغرقت آمال نابليون في السيطرة البحرية. وفي الوقت نفسه، اشتدت مقاومة المصريين في الصعيد، فأنزل نابليون بالمصريين العقوبات، وفرض الضرائب، وهدم أبواب الحارات والمساجد والأبنية بحجة “تحصين القاهرة”.
هذا الظلم أشعل ثورة القاهرة الأولى في 21 أكتوبر 1798، التي انطلقت شرارتها من الأزهر الشريف. قتل الثوار الحاكم الفرنسي ديبوي، فرد نابليون بدخول الأزهر بخيوله، مما أثار الغضب الديني في نفوس المصريين.
وفي مارس 1799، قاد نابليون حملة على الشام، لكنه فشل في اقتحام عكا أمام مقاومة أحمد باشا الجزار، وارتكب مذبحة بشعة في يافا. عاد بعدها إلى مصر وانتصر في معركة أبي قير البرية، ثم غادر سرًّا إلى فرنسا، تاركًا جيشه وراءه بقيادة كليبر.
حاول كليبر عقد اتفاقية العريش مع العثمانيين لخروج الفرنسيين بسلام، لكن بريطانيا رفضت تنفيذها. فتفجّرت ثورة القاهرة الثانية في مارس 1800 بقيادة عمر مكرم، خاصة في حي بولاق، فقمعها الفرنسيون بوحشية وفرضوا مزيدًا من الضرائب.
وفي 14 يونيو 1800، اغتيل كليبر على يد الطالب السوري سليمان الحلبي، الذي خلد التاريخ اسمه رمزًا للشجاعة والبطولة.
تولى مينو قيادة الحملة بعده، فحاول إدخال بعض الإصلاحات في الزراعة والصناعة والتجارة، لكن النهاية كانت محتومة؛ إذ جلا الفرنسيون عن مصر في سبتمبر 1801.
رحل الفرنسيون وبقي الأثر. فقد أيقظت الحملة الوعي القومي في قلوب المصريين، ولفتت أنظار العالم إلى أهمية موقع مصر الجغرافي وحضارتها العريقة.
كما تم خلال الحملة اكتشاف حجر رشيد، وصدرت موسوعة وصف مصر، وعرف العالم من جديد أن مصر ليست مجرد أرض، بل تاريخٌ خالد و
روح لا تنطفئ.
