د.نادي شلقامي
في كل ذكرى لنصر أكتوبر المجيد، تتلألأ أسماء القادة الكبار وصناع القرار الذين خططوا ودبروا المعركة. لكن خلف الأضواء الساطعة للانتصار، تقبع قصص آلاف الجنود المجهولين الذين لم يحصلوا على حقهم من التكريم والشهرة. هؤلاء الأبطال، من مختلف محافظات مصر ومن جميع التخصصات العسكرية، كانوا الوقود الحقيقي الذي أشعل نيران العبور وحطم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر. إنهم الجندي الذي سجد على رمال سيناء بعد أن أزاح الساتر الترابي بمضخة مياه، والجندي الذي تسلل خلف خطوط العدو ولم يعد، والمهندس الذي أنجز مهمته في صمت تحت وابل النيران. هذا المقال هو محاولة لرفع قبعة الاعتراف لهؤلاء الأبطال الذين زرعوا بذور النصر بدمائهم وعرقهم، وظلوا سنوات طويلة في طي النسيان.
في سياق حرب أكتوبر المجيدة، يمثل “الجنود المجهولون” العمود الفقري للنصر، وهم ليسوا شخصًا واحدًا بل ملايين المصريين الذين ساهموا في تحقيق العبور.
فئات الجنود المجهولين في حرب أكتوبر
يمكن تقسيم “الجنود المجهولين” في حرب أكتوبر إلى عدة فئات، كل منها قام بدور حاسم:
أولا… الأبطال المبتكرون والأفراد ذوو الأدوار الاستثنائية
هم أفراد قاموا بأعمال إبداعية أو بطولية خارقة، لكن ظلوا مغمورين لفترة طويلة:
1- مبتكر فكرة تدمير خط بارليف: اللواء باقي زكي يوسف، المهندس العبقري الذي اقترح استخدام خراطيم المياه ذات الضغط العالي لإزالة الساتر الترابي الضخم. رغم أن ابتكاره كان سر النصر، إلا أنه لم يسلط عليه الضوء بشكل كافٍ لفترة طويلة.
2- صاحب الشفرة النوبية: أحمد إدريس، الذي اقترح استخدام اللغة النوبية لتشفير الاتصالات، مما ضمن سرية المعلومات وأفشل محاولات العدو لفك الشفرة.
3- جنود المدفعية والمهندسين: مثل اللواء محمد سعيد الماحي (مدير سلاح المدفعية) الذي نفذ أكبر تمهيد نيراني، وعناصر سلاح المهندسين (15 ألف جندي عبروا القناة خلال ساعتين) الذين فتحوا الثغرات ووضعوا الكباري.
4- صائد الدبابات المغمورون: رفاق البطل محمد عبد العاطي وآخرون ممن دمروا عدداً هائلاً من دبابات العدو.
ثانيا…جنود العمليات الخاصة وراء خطوط العدو
وهم من قاموا بأصعب وأخطر المهام في الظل، مثل:
1- قوات الصاعقة والمظلات: الذين تسللوا خلف خطوط العدو لتدمير منشآت البترول في مناطق مثل أبو رديس، ونفذوا غارات ليلية لإرباك العدو، وحاصروا النقاط الحصينة.
2- العريف سيد زكريا خليل: جندي شارك في إنزال خلف خطوط العدو يوم 7 أكتوبر، وقام ببطولات فردية أثنى عليها العدو نفسه في إحدى الروايات.
3- الجندي عادل (من الإسكندرية): سائق مركبة عادي، قام بأعمال إخلاء وإمداد بشجاعة نادرة تحت القصف المستمر حتى استشهد.
ثالثا… الشهداء والمفقودون
هم الفئة التي يمثلها النصب التذكاري للجندي المجهول في مدينة نصر.
1- الشهداء الذين لم تُعرف أسماؤهم: الجنود الذين استشهدوا في المعارك أو عمليات التسلل ولم يتم التعرف على رفاتهم، وظلوا مفقودين حتى تم تكريمهم جماعيًا.
2- الذين استشهدوا وهم يؤدون واجبهم: مثل شهداء من محافظات الغربية والشرقية والإسماعيلية والدقهلية الذين عُثر على رفاتهم في حفر القناة بعد سنوات، ممن ذهبوا للحرب وأقسموا ألا يعودوا إلا بالنصر.
وختاما…يظل نصب الجندي المجهول في قلب القاهرة رمزاً خالداً، لكنه ليس مجرد بناء من الحجر، بل هو تذكير دائم بأن كل شبر من سيناء ارتوى بتضحية شخص عادي أدى واجبه ببسالة خارقة. إن إعادة إحياء قصص باقي زكي يوسف، وأحمد إدريس، وآلاف الجنود غير المعروفين بالإعلام، ليس مجرد واجب تاريخي، بل هو درس للأجيال الجديدة بأن البطولة الحقيقية غالباً ما تكمن في الإخلاص والصمت، وفي العمل الدؤوب بعيداً عن صخب الكاميرات. إن نصر أكتوبر يخص القادة، لكنه صُنع بأيدي الجنود المجهولين، وسيبقى مجداً لـ “جندي” ضحى بروحه وترك لنا وطناً مرفوع الرأس.
