بقلم : أحمد رشدى
في مشهد يختلط فيه عبق العصور السحيقة ببريق قاعات المزادات العالمية،
سجّلت دار فيليبس منعطفًا غير مسبوق في تاريخها حين طرحت للمرة الأولى هيكلًا عظميًا شابًا لديناصور ترايسيراتوبس في نيويورك، فحصد خمسة ملايين وأربعمائة ألف دولار، متجاوزًا تقديره الابتدائي بأكثر من الضعف. وقد اختير له الاسم سيرا،
استلهامًا من شخصية الطفولة الشهيرة في فيلم “أرض ما قبل الزمن” الصادر عام 1988، ليغدو هذا الكائن المنقرض نجم أمسية عُلِّقت فيها الأنظار على عالم طبيعي نادر الظهور في مثل هذه المناسبات.
كان هذا الترايسيراتوبس قد اكتُشف قبل نحو عقد في التكوين الجيولوجي المعروف بهيل كريك في داكوتا الجنوبية،
ذلك الامتداد الذي حفظت طبقاته الفقيرة بالأكسجين أسرار ملايين السنين. وقد عُثر عليه وقد فارق الحياة في عامه الرابع،
ليكون أول ترايسيراتوبس يافع يُعرف حتى اليوم، بطول لا يتجاوز أربعة عشر قدمًا، أي ما يناهز نصف طول الإنسان البالغ.
وينتمي هذا الكائن إلى أكثر الديناصورات شهرة في سجل الحياة القديمة، وقد جاب سهول أمريكا الشمالية خلال أواخر العصر الطباشيري، في الفترة الممتدة تقريبًا بين مئة مليون وستة وستين مليون عام،
متعايشًا مع التيرانوصور ريكس وغيره من عمالقة تلك الأزمنة.
أما العينة المسماة سيرا فتُعد من أكثر الاكتشافات حفظًا وتكاملًا، إذ يضم هيكلها ما يقرب من ثلثيه الأصليين، بما في ذلك أجزاء مهمة من الجمجمة والعمود الفقري وعظام الأطراف.
ولا تخفي دار فيليبس اعتزازها بضم هذا الاكتشاف النادر إلى مزاداتها، مؤكدة أن العثور على نظير له يكاد يكون أمرًا مستحيلًا.
ويأتي هذا البيع في سياق سباق عالمي متصاعد حول أحافير الديناصورات، حيث شهد شهر يوليو بيع أحفورة سيراتوصور صغير في دار سوثبي مقابل ثلاثين مليونًا وخمسمائة ألف دولار، أي خمسة أضعاف تقديرها الأعلى،
وذلك عقب بيع هيكل ستيجوصور عام 2024 بمبلغ بلغ أربعة وأربعين مليونًا وستمائة ألف دولار. ورغم أن دار فيليبس أصغر حجمًا من منافساتها العريقتين سوثبي وكريستيز، فإنها بدورها تواجه ضغوطًا في سوق تتراجع فيها المبيعات، التي فقدت أكثر من ثلاثين في المئة من قيمتها منذ ذروتها البالغة مليارًا وثلاثمائة مليون دولار عام 2022. ويبدو أن دخول عالم أحافير الديناصورات ليس سوى استجابة مباشرة لما بات يطلبه جمهور المزادات من نوادر تمزج بين العلم والأسطورة،
وتعيد إلى الواجهة صدى كائنات عبرت على الأرض قبل أن تعرف البشرية أ
ولى حكاياتها.
