كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة
في الأزمنة التي يشتد فيها المرض ويطول فيها الانتظار على أبواب العيادات والمستشفيات، يظهر على الهامش عالمٌ موازٍ، لا تحكمه القوانين ولا تضبطه المراجع العلمية، عالم الشعوذة الطبية. هناك، تُباع الأوهام بثمن باهظ، ويُقدَّم الوعد بالشفاء السريع كطوق نجاة لمن أنهكهم الألم واليأس.
المرض… بوابة الخوف
المرض ليس حالة جسدية فقط، بل تجربة نفسية قاسية. عندما يسمع المريض تشخيصًا مقلقًا، أو يُخبر بأن علاجه طويل أو مكلف، يبدأ الخوف في السيطرة. هنا تحديدًا، يجد المشعوذ فرصته.
يعتمد المشعوذ على لحظة الضعف هذه، فيقدّم نفسه كـ“المنقذ”، مستخدمًا لغة عاطفية، مليئة بالغموض والطمأنينة الزائفة، في مقابل لغة الطبيب العلمية التي قد تبدو باردة أو معقّدة للبعض.
كيف تعمل الشعوذة؟
الشعوذة الطبية لا تقوم على علاج حقيقي، بل على أساليب نفسية مدروسة، من بينها:
زرع الخوف من الطب والأطباء
الادّعاء بامتلاك “سر” لا يعرفه غيره
استغلال الدين أو الطاقة أو التراث الشعبي
تقديم قصص شفاء غير موثّقة
رفض التحاليل والفحوصات بحجة عدم ضرورتها
وغالبًا ما يُطلب من المريض التوقف عن علاجه الطبي، وهو أخطر ما في الأمر.
الطب… طريق طويل لكنه آمن
في المقابل، يقوم الطب الحديث على أسس واضحة:
تشخيص مبني على فحوصات وتحاليل
علاج مدروس وفق بروتوكولات علمية
متابعة وتقييم مستمر للحالة
الاعتراف بحدود العلم وعدم بيع الوهم
الطبيب لا يعد بالشفاء التام دائمًا، لكنه يعمل على تحسين جودة الحياة وتقليل المضاعفات، وهو ما لا يقوله المشعوذ صراحة.
لماذا يهرب البعض من الطب؟
يرى مختصون أن لجوء المرضى إلى الشعوذة لا يعني بالضرورة رفضهم للعلم، بل يعود إلى أسباب متعددة، منها:
طول فترات العلاج
الخوف من الجراحة
ارتفاع التكاليف في بعض الحالات
ضعف التواصل بين الطبيب والمريض
انتشار المعلومات الصحية المضللة
هذه الفجوة النفسية والمعرفية هي الأرض الخصبة للشعوذة.
ضحايا لا يظهرون في الإحصاءات
لا توجد أرقام دقيقة لضحايا الشعوذة، لأن كثيرين يخجلون من الاعتراف بتجربتهم. لكن الأطباء يؤكدون أن أقسام الطوارئ تستقبل باستمرار حالات وصلت متأخرة بسبب الاعتماد على “علاج بديل” غير علمي.
وفي كثير من هذه الحالات، كان بالإمكان السيطرة على المرض لو تم التدخل الطبي في الوقت المناسب.
بين الطب البديل والشعوذة: خط فاصل
من المهم التمييز بين:
الطب التكميلي: مثل بعض الأعشاب المدروسة أو العلاج الطبيعي، ويُستخدم كعامل مساعد وتحت إشراف طبي.
الشعوذة: أي ممارسة تدّعي العلاج دون دليل، أو تطلب من المريض ترك الطب كليًا.
الخطورة لا تكمن في العشب أو الوصفة، بل في ادّعاء القدرة على العلاج المطلق.
مسؤولية المجتمع والإعلام
لا تقع المسؤولية على المرضى وحدهم. فالمجتمع والإعلام يتحملان دورًا أساسيًا في:
نشر الوعي الصحي بلغة بسيطة
فضح الممارسات المضللة
دعم الثقة بين المريض والطبيب
محاسبة من يستغل آلام الناس
الصمت عن الشعوذة هو مشاركة غير مباشرة في انتشارها.
كيف نحمي أنفسنا؟
لا تصدّق أي علاج بلا مرجع علمي
اسأل دائمًا: أين الدليل؟
لا تتوقف عن الدواء دون استشارة طبيب
انتبه للعناوين البراقة على وسائل التواصل
