كتبت ـ مها سمير
بعد أكثر من 70 عامًا من الحيرة العلمية، أعلن باحث أوروبي تحقيق اختراق مهم في دراسة مخطوطات البحر الميت، أحد أبرز الاكتشافات الأثرية في العصر الحديث، وذلك بعد نجاحه في فك شفرة آخر النصوص التي ظلت غير مقروءة لعقود طويلة.
البحث، الذي أنجزه إيمانويل أوليفيرو من جامعة خرونينغن الهولندية، ركّز على نصّين غامضين عُرفا باسم «الكتابة الغامضة ب»، وهما من أكثر أجزاء المخطوطات تعقيدًا بسبب تدهور حالتهما المادية واستخدام رموز كتابية غير مألوفة أعاقت فهمهما منذ اكتشافهما.
وأوضح أوليفيرو أن التحليل الدقيق كشف أن هذه الرموز ليست لغة مستقلة، بل أحرف عبرية كُتبت بأسلوب مشوَّه ومتغيّر. ومع استبدال كل رمز بنظيره العبري، بدأت ملامح النص الأصلي في الظهور تدريجيًا، لتتكشف مفاجأة غير متوقعة.
ووفق نتائج الدراسة، لم تتضمن النصوص المكتشفة أسرارًا خفية أو تعاليم غامضة، بل حملت مضامين دينية معروفة تتناول موضوعات مثل نهاية الأيام، والدينونة الإلهية، وانتظار المسيح المنتظر، والمصير النهائي للشعب اليهودي وفق المعتقدات القديمة. كما ظهرت تسلسلات حرفية يُرجَّح أنها تشير إلى كلمة «يسرائيل»، إلى جانب أسماء مألوفة مثل يهوذا ويعقوب، ولفظة «إلوهيم» التي تعني الله في اللغة العبرية.
وتعود هذه المخطوطات إلى جماعة قُمران، وهي طائفة يهودية عاشت منعزلة قرب البحر الميت في منطقة الضفة الغربية قبل أكثر من ألفي عام، وعُرفت بدقتها في نسخ النصوص الدينية وابتعادها عن المجتمع اليهودي السائد آنذاك، ما يمنح كتاباتها قيمة استثنائية لفهم الفكر الديني في تلك الحقبة المبكرة.
ورغم أهميتها التاريخية، تعاني المخطوطات من تلف شديد؛ إذ لا تتجاوز بعض أجزائها بضعة مليمترات، وكتب معظمها على جلود متشققة ومتآكلة، بحبر أسود غير منتظم، مع وجود تصحيحات وتعديلات تشير إلى أن عملية الكتابة لم تكن دائمًا دقيقة أو محكمة.
ويشير الباحثون إلى أن النص الأول، المعروف بالرمز 4Q362، يحمل مضامين دينية قريبة من أسفار الأنبياء، مع تركيز واضح على التجديد والوفاء بالعهد، بينما يعد النص الثاني 4Q363 أكثر تضررًا، ما يجعل استخلاص معنى متكامل منه أمرًا بالغ الصعوبة، رغم احتوائه على عبارات وأسماء شائعة في تلك الفترة التاريخية.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة جديدة في فهم مخطوطات البحر الميت، ويؤكد أن هذه النصوص، رغم ما لحق بها من تلف، لا تزال قادرة على إلقاء الضوء على جذور الفكر الديني والتاريخي في المنطقة.
